وحين وقوع هذه الأمور بالعبد، أو بعضها فيمنعه أن] ينتفع بما سبق له قبل ذلك من الإحسان, وأما إذا لم يسبق له فإنه تشتد حسرته ويظهر حسارته، ولا ينفعه التدارك كما لو غص بالموت وغرغر بالروح، وفي مثل هذه الحالة كان فرعون حين أدركه الغرق فقال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [سورة يونس: 90] ، فقيل له: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [سورة يونس: 91] .
وسبق قول جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم -. يا محمَّد! فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدنيه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة.
وحال البحر الطين الأسود الذي يكون في أرضه.
وإنما كان ذلك من جبريل عليه السلام تنفيذاً لما سبق في علم الله من شقاوة فرعون، وكان فرعون همَّ أن يقول تلك الكلمة قبل أن يلجمه الغرق فيغرغر بالموت؛ فإن قول كلمة الشهادة قبل الغرغرة ينفع.
وقال بعض العلماء: إنما لم يقبل إيمانه لأنَّه قلد بني إسرائيل من غير جزم بما لله تعالى من الصفات التي لا بدَّ من التصديق بها, ولو قال: لا إله إلا الله جازمًا بها لنفعه، لاشتماله على ذلك.
قلت: ويدل لهذا القول ما رواه الترمذي وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذكر:"أنَّ جبرِيلَ عليهِ السَّلام جعل يَدُسُّ في فيِّ فِرعونَ الطينَ خَشيَةَ أن يقولَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ فَيَرحَمَهُ اللهُ".
وإجماع الأمة إلا من شذ أن فرعون مات على الكفر، وأنه خالد مخلد في النار.
وروى ابن عدي في"الكامل"، والطبراني في"الكبير"، واللالكائي في"السنة"عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"خَلَقَ اللهُ تَعَالَى يَحْيَى بنَ زكَرِيَّا في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا، وَخَلَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ في بَطْنِ أُمِّهِ كَافِرًا".
26 -ومن أخلاق فرعون وقومه: كفران نعم الله تعالى، وهو أشدهم كفرانا.
ذكر القرطبي عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس، وكعب - رضي الله عنهم: