وروى عبد الرَّزاق، وابن جرير عن زيد بن أسلم قال: أول جبَّار كان في الأرض نمرود، فبعث الله تعالى عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمئة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم النَّاس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه، وكان جبَّاراً أربعمئة سنة، فعذَّبه الله تعالى أربعمئة سنة كملكه، ثم أماته الله تعالى.
قال: وهو الذي كان بنى صرحاً إلى السَّماء الذي قال الله تعالى: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ} [سورة النحل: 26] .
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي: أنَّ نمرود بعد أن هاجر من أرضه إبراهيم ولوط عليهما السَّلام حلف ليطلبنَّ إله إبراهيم، فأخذ أربعة فراخ من أفراخ النُّسور، فربَّاهنَّ بالخبز واللَّحم، حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن، فربطهن بتابوت، وقعد في ذلك التابوت، ثم رفع رِجْلاً من لم لهن، حتى إذا وَهِم في السماء أشرف فنظر إلى الأرض، وإلى الجبال تَدُب كدبيب النمل، ثم رفع لهن اللحم، ثم نظر فرأى الأرض محيطًا بها بكر كأنَّها فلكة في ماء، ثم رفع طويلاً فوقع في ظلة، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، فألقى اللحم، فاتبعته منقضات، فلما رأى الجبال إليهن قد أقبلن منقضات، وسمعن خفقهن، فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها، ولم يفطن؛ قال فذلك قوله: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [سورة إبراهيم: 46] .
وهي في قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: وإن كاد مكرهم؛ يعني: بالدال.
قال: فلما رأى أنه لا يطيق شيئاً أخذ في بنيان الصرح، فبنى حتى أسنده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر يزعم إلى إله إبراهيم، فأحدث ولم يكن يحدث، وأخذ الله بنيانه من القواعد.
ففي هذا الأثر أنَّ نمرود اتخذ الصَّرح قبلُ، وأنَّه هو الذي سخر النُّسور لما أراد.
وعن علي رضي الله تعالى عنه: أنَّه إنما سخر نسرين فقط. رواه ابن جرير.
وروى ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد: أن بخت نصر جوَّع نسوراً، ثم جعل عليهن تابوتاً، ثم دخله، وجعل رماحاً في أطرافه واللحم فوقها، فقلَّت، فذهبت نحو اللحم حتى انقطع بصره من الأرض وأهلها، فنودي: أيها الطاغية! أين تريد؟