فقال لها: ويحك! اكفري به. لهك، وأقري أني إلهك.
فقالت: لا أفعل.
فمدها بين أربعة أوتاد، ثم أرسل إليها الحيات والعقارب، فقال لها: اكفري بالله وإلاَّ عذبتك بهذا العذاب شهرين.
فقالت: والله لو عذبت سبعين شهراً ما كفرت بالله - عز وجل -.
قال: وكان لها ابنتان، فجاء بابنتيها فذبح الكبرى على فيها، وقال لها: اكفري بالله وإلا ذبحت ابنتك الصغرى على فيكِ، وكانت طفلة رضيعة تجد بها وجداً شديداً.
قالت: لو ذبحت ملء الأرض على فيَّ ما كفرت بالله - عز وجل -.
قال: فأتى ببنتها، فلمَّا قدمت منها وأضجعت على صدرها، وأرادوا ذبحها، جزعت المرأة، فأطلق الله لسان ابنتها؛ تكلمت - وهي من الأربعة الذين تكلموا أطفالاً - فقالت: يا أماه! لا تجزعي؛ فين الله قد بنى لك بيتاً في الجنة، اصبري؛ فإنَّكَ تفضين إلى رحمة الله تعالى.
قال: فذبحت، فلم تلبث أن ماتت فأسكنها الله الجنة.
قال: وكان فرعون قد تزوج بامرأة من أجمل النساء، وكانت من بني إسرائيل اسمها آسية بنت مزاحم، فرأت ما صنع فرعون بالماشطة، فقالت: كيف يسعني أن أصبر على ما يأتي فرعون وأنا مسلمة وهو كافر؟
فبينا هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فقالت: يا فرعون! أنت شر الخلق وأخبثه؛ عمدت إلى الماشطة فقتلتها؟
قال: فلعلَّ بك الجنون الذي كان بها؟
قالت: ما بي من جنون؛ فإن إلهي، وإلهها، وإلهك، وإله السموات والأرض واحدٌ لا شريك له.
فبزق عليها، وضربها، وأرسل إلى أبويها فدعاهما، فقال لهما: ألا تريان الجنون الذي كان بالماشطة أصابها؟
فقالت: أعوذ بالله من ذلك، إنَّي أشهد أنَّ ربي وربك ورب السموات والأرض واحدٌ لا شريك له.
فقال لها أبوها: يا آسية! ألست خير نساء العماليق، وزوجك إله العماليق؟
فقالت: أعوذ بالله من ذلك؛ إن كان ما يقول حقاً فقولا له يتوجني بتاج تكون الشمس أمامه، والقمر خلفه، والكواكب حوله.