إذن: فما دُمْت تريد أن يغفر الله تعالى لك السيئة عنده ، فلماذا لا تعفو عن سيئة أخيك في حقك؟
وقول الحق سبحانه:
{أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ} [النور: 22] .
وقد جاء الحق سبحانه هنا من ناحية النفس ، فجعل عفو العبد عن سيئة العبد بحسنة ، فلعفو العبد ثمن عند الله تعالى ؛ لأن العبد سيأخذ مغفرة الله تعالى ، وفوق ذلك فأنت تترك عقاب المسيء والانتقام منه لربك ، وعند التسليم له راحة .
ولو اقتصصتَ أنت ممن أساء إليك ، فقصاصك على قدر قوتك ، أما إن تركته إلى قدرة الله تعالى ، فهذا أصعب وأشق ؛ لأنك تركته إلى قوة القوي .
وهكذا ينال العافي عن المسيء مرتبة راقية ؛ لأنه جعل الله سبحانه وتعالى في جانبه .
وهناك من يقول: كيف يأمر الدين الناس بأن يحسنوا لمن أساء إليهم؟ ويعلل ذلك بأنه أمر ضد النفس .
ونقول: إن الإحسان إلى المسيء هو مرحلة ارتقاء ، وليست تكليفاً أصيلاً ؛ لأن الحق سبحانه قد أباح أن نرد العدوان بمثله ، ثم حثَّ المؤمن على أن يكظم غيظه ، أو يرتقي إلى العفو وأن يصل إلى الإحسان ، وكل هذه ارتقاءات اليقين بالله سبحانه وتعالى .
وانظر إلى نفسك ولله المثل الأعلى ومنزَّه سبحانه عن كل مَثلٍ إنْ أردت أن تطبق الأمر على ذاتك حين تجد ولداً من أولادك قد اعتدى على أخيه ، فقلبك وعواطفك وتلطفاتك تكون مع المعتدَى عليه .
ومن يقول: كيف يكلّفني الشرع بأن أحسن إلى من أساء إليَّ؟
نقول له: تذكَّرْ قول الحسن البصري رضي الله عنه:"أفلا أحْسِنُ لمن جعل الله في جانبي".
ولو طبَّق العالم هذه القاعدة بيقينٍ وإخلاصٍ لصارت الحياة على الأرض جنة معجَّلة ، التسامح ، قوامها القرب ، ومنهجها الحب .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه وتعالى:
{إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 11] .