الثاني: أن الصفات المذكورة للإنسان في هذه الآية لا تليق إلا بالكافر لأنه وصفه بكونه يؤساً ، وذلك من صفات الكافر لقوله تعالى: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القووم الكافرون} [يوسف: 87] ووصفه أيضاً بكونه كفوراً ، وهو تصريح بالكفر ووصفه أيضاً بأنه عند وجدان الراحة يقول: {ذهب السيئات عني} [هود: 10] وذلك جراءة على الله تعالى ، ووصفه أيضاً بكونه فرحاً {والله لاَ يُحِبُّ الفرحين} [القصص: 76] ووصفه أيضاً بكونه فخوراً ، وذلك ليس من صفات أهل الدين.
ثم قال الناظرون لهذا القول: وجب أن يحمل الاستثناء المذكور في هذه الآية على الاستثناء المنقطع حتى لا تلزمنا هذه المحذورات.
المسألة الثانية:
لفظ الإذاقة والذوق يفيد أقل ما يوجد به الطعم ، فكان المراد أن الإنسان بوجدان أقل القليل من الخيرات العاجلة يقع في التمرد والطغيان ، وبإدراك أقل القليل من المحنة والبلية يقع في اليأس والقنوط والكفران فالدنيا في نفسها قليلة ، والحاصل منها للإنسان الواحد قليل ، والإذاقة من ذلك المقدار خير قليل ثم إنه في سرعة الزوال يشبه أحلام النائمين وخيالات الموسوسين ، فهذه الإذاقة من قليل ، ومع ذلك فإن الإنسان لا طاقة له بتحملها ولا صبر له على الإتيان بالطريق الحسن معها.
وأما النعماء فقال الواحدي: إنها إنعام يظهر أثره على صاحبه ، والضراء مضرة يظهر أثرها على صاحبها ، لأنها خرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حمراء وعوراء ، وهذا هو الفرق بين النعمة والنعماء ، والمضرة والضراء.
المسألة الثالثة:
اعلم أن أحوال الدنيا غير باقية ، بل هي أبداً في التغير والزوال ، والتحول والانتقال ، إلا أن الضابط فيه أنه إما أن يتحول من النعمة إلى المحنة ، ومن اللذات إلى الآفات وإما أن يكون بالعكس من ذلك ، وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب ، ومن المحرمات إلى الطيبات.