وقد قيل: إن ذلك (العمى) مقصور ، بمعنى لا شيء ثابت ، لأنه مما عمي عن الخلق ، فكأنه قال في جوابه: كان قبل أن يخلق الخلق ولم يكن شيء غيره . و (ما) فيهما نافية . أي: ليس فوق العمى الذي هو لا شيء موجود هواء ، ولا تحته هواء ؛ لأنه إذا كان غير موجود فلا يثبت له هواء بوجه . انتهى ملخصاً .
وقال ابن الأثير: العماء في اللغة السحاب الرقيق ، وقيل الكثيف ، وقيل هو الضباب ، وفي الحديث حذف ، أي: أين كان عرش ربنا ؟ دل عليه قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء} .
وحكى بعضهم أنه العمى المقصور . قال: وهو كل أمر لا يدركه الفَطِن .
وقال أبو عبيد: إنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم ، وإلا فلا ندري كيف كان ذلك العماء ! .
قال الأزهري: فنحن نؤمن به ولا نكيف صفته .
وقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي: أخلصه ، متعلق بـ (خلق) أي: خلقهن لحكمة بالغة ، وهي أن يجعلهن مساكن لعباده ، وينعم عليهم بفنون النعم ، فيعبدوه وحده ، ويتسابقوا في العمل الذي يرضيه . ولما كان الابتلاء والاختبار لمن تخفى عليه عاقبة الأمور ؛ قيل: إنه هنا تمثيل واستعارة ، فشبه معاملته تعالى عباده في خلق المنافع لهم ، وتكليفهم شكره ، وإثابتهم إن شكروا ، وعقوبتهم إن كفروا ، بمعاملة المختبر مع المختبَر ، ليعلم حاله ويجازيه ، فاستعير له الابتلاء على سبيل التمثيل (ليبلوكم) موضع (ليعاملكم) ويصح أن يكون مجازاً مرسلاً ، لتلازم العلم والاختبار . أي: خلق ذلك ليعلم ، أي: ليظهر تعلق علمه الأزلي بذلك .