فجملة"قلت عليل"أثارت سؤالًا عن سبب العلة، تقديره: ما سبب علتك؟ وجاءت الجملة الثانية"سهر دائم وحزن طويل"جوابًا له، أما جملة"قلت عليل"فمفصولة عن السؤال المصرح به قبلها لكمال الاتصال أو لكمال الانقطاع، كما أوضحنا، ومن ذلك قول أبي العلاء المعري:
وقد غرضتُ من الدنيا فهل زمني ... معطٍ حياتي لِغِرٍّ بعدما غرض
جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ودِّ امرئ غرضًا
تساؤلًا عن سبب سأمه وضجره، فكأن قائلا قال له: لم تقول هذا ويحك؟! وما الذي جعلك تطوي عن الحياة إلى هذا الحد كشحك؟ فأجاب بالبيت الثاني عن هذا التساؤل المنبعث من البيت الأول:
جربت دمعي وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ودِّ امرئ غرضًا
لذا فصل - أو قل ترك - العطف بينهما لما بين السؤال والجواب من اتصالٍ وثيق وترابط قوي، وخذ عندك قول الله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (يوسف: 30) تجد أن جملة {تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ} قد أثارت سؤالًا عن سبب تلك المراودة وهو سؤال عن السبب العام، وقد جاء جوابه: {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} (يوسف: 30) ثم إن هذا الجواب أثار تساؤلًا آخر فحواه: وما رأيكن في هذا؟ فأجيب: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} وتلاحظ أن هذا التساؤل الثاني ليس عن السبب، بل هو عن رأيهن فيما صنعته امرأة العزيز من المراودة الناجمة عن حبها فتاها. وقد يكون السؤال المثار عن السبب الخاص؛ أي عن سبب معين محدد، كما في قول الشاعر:
إذا ما الدهر جرّ على أناس ... كلاكله أناخَ بآخرين
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيَلقى الشامتون كما لقينا
فقد انبعث من شطر البيت الثاني تساؤلٌ عن سببٍ معين، وكأن سائلًا سأل: لمَ نقول لهم: أفيقوا؟ هل سيلقوا كما لقيتم؟ فأجيب:"سيلقى الشامتون كما لقينا"، ومن هذا قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} (يوسف: 53) ؛ حيث فصلت: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} عما قبلها؛ لأنها وقعت جوابًا لسؤال تضمنته وهذا السؤال عن السبب الخاص؛ إذ فحواه: لم نُفيت التبرئة عن النفس؟ هل النفس أمارة بالسوء؟ فجاء الجواب: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} .