شبه كمال الاتصال أو ما يسمى بالاستئناف البياني، وهو أن تكون الجملة الأولى متضمّنة لسؤال تقع الجملة الثانية جوابًا له، كما في قول الله تعالى: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}
فالجملة الأولى {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أثارت سؤالًا فحواه: كيف لا يكون من أهلي وهو ابني، وجاءت الجملة الثانية جوابًا لهذا السؤال المثار: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} .
ولكون الجملة الثانية جوابًا لسؤالٍ تتضمنه الجملة الأولى وينبعث منها، كانت مرتبطةً به ارتباطًا وثيقًا كما يرتبط الجواب بالسؤال، ومن ثَمّ تُرك العطف بينهما لأن الجواب لا يُعطف على السؤال، لما بينهما من ترابط وثيق وصلة قوية.
وانظر مثلًا إلى قول الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ} (القارعة: 8 - 11) وقوله - عز وجل: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} (البلد: 12، 13) وقوله: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (الحج: 72) تجد الجواب قد فُصل عن السؤال المصرح به في هذه الآيات الكريمة، وفَصل الجواب عن السؤال المصرح به إما لكمال الاتصال لما بين السؤال والجواب من صلةٍ قوية، وإما لكمال الانقطاع لأن جملة السؤال إنشائية وجملة الجواب خبرية، وكما فُصِل الجواب عن السؤال المصرح به فإنه يُفصل كذلك عن السؤال المقدر الذي اقتضته الجملة الأولى، وأثارته في ذهن المخاطب.
وقد ذكر البلاغيون أن سبب الفصل عندئذ هو الاستئناف البياني؛ أي شبه كمال الاتصال، وليس لكمال الاتصال الذي مر؛ لأن الجواب ليس بيانًا للجملة الأولى، بل لشيء ٍ ينبعث منها وهو السؤال الذي أثارته واقتضته، ومن ثم وقد سمي الاستئناف ها هنا استئنافًا بيانيًّا، وهو غير الاستئناف بالواو أو الفاء، أو الاستئناف بالجملة أي القطع؛ لأنه استئناف يوضّح ويبين جواب السؤال المثار المنبعث من الجملة الأولى، فالجملة الثانية ليست منفصلةً عن الأولى في الواقع ولا منقطعةً عنها، بل مبينة وموضحة لشيء فيها؛ ولذا سُميت الثانية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. هذا، والسؤال المنبعث من الجملة الأولى قد يكون عن السبب العام، كما في قول الشاعر:
قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهرٌ دائمٌ وحزنٌ طويلٌ