المعنوية فهي - كما ترى - نَظْم للمعاني لطيف، وتأدية لها ملخّصة مبينة، لا تعقيد يُعْثِر الفكر في طلب المراد، ولا التواء يُشيك الطريق إلى المرتاد، بل ألفاظها تُسابق معانيها، ومعانيها تُسابق ألفاظها.
وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية؛ فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة، جارية على قوانين اللغة، سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة، عذبة على العذَبات، سَلِسَة على الأسَلات، كل منها كالماء في السلاسة، وكالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة، والله أعلم.
{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ... (57) }
واعلم أن الحذف على وجهين:
أحدهما: ألا يقام شيء مقام المحذوف كما سبق.
والثاني: أن يقام مقامه ما يدل عليه؛ كقوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} [سورة هود: 57] ليس الإبلاغ هو الجواب؛ لتقدمه على توليهم، والتقدير:"فإن تولوا فلا لوم علي لأني قد أبلغتكم"، أو: فلا عذر لكم عند ربكم لأني قد أبلغتكم. وقوله: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} [سورة فاطر: 4] أي: فلا تحزن واصبر؛ فإنه قد كذبت رسل من قبلك، وقوله: {وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} [سورة الأنفال: 38] أي: فيصيبهم مثل ما أصاب الأولين.
وأدلة الحذف كثيرة: منها أن يدل العقل على الحذف، والمقصود الأظهر على تعيين المحذوف؛ كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ...} الآية [المائدة: 3] , وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ...} الآية [النساء: 23] ؛ فإن العقل يدل على الحذف لما مر، والمقصود الأظهر يرشدك إلى أن التقدير: حرم
عليكم تناول الميتة وحُرِّم عليكم نكاح أمهاتكم؛ لأن الغرض الأظهر من هذه الأشياء تناولها، ومن النساء نكاحهن.
ومنها أن يدل العقل على الحذف والتعيين؛ كقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [سورة الفجر: 22] أي: أمر ربك أو عذابه أو بأسه، وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [سورة البقرة: 210] أي: عذاب الله أو أمره.