وقوله: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} (ما) نافية، و {أَنْ} في موضع نصب لعدم الجار، وهو عن، أو جر على إرادته. وفي {لَبِثَ} ذكر يعود على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أي: فما مكث عن أن جاء. واللَبْث واللَبَاث: المكث.
أو رفع على الفاعلية، ولا ذكر على هذا في {لَبِثَ} ، أي: فما لبث مجيئه.
وقيل: (ما) موصولة في موضع رفع بالابتداء، وعائدها محذوف، وخبره {أَنْ جَاءَ} ، وفي الكلام حذف مضاف، والتقدير: فالذي لبثه إبراهيم عليه السلام قَدْرُ مجيئه.
وقيل: مصدرية، أي فلبث مقدار مجيئه.
والوجه هو الأول، وهو أن تكون (ما) نافية، لسلامته من الحذف والتقدير، وعليه الأكابر.
والعجل: ولد البقرة، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب.
{حَنِيذٍ} قيل: مشوي بالرضف في أخدود، يقال: حنذت الشاة أحنذها حنذًا، إذا شويتها وجعلت فوقها حجارة محماة لتنضجها، فهي حنيذ ومحنوذ. وقيل: حنيذ يقطر دسمه، من حنذت الفرس أحنذه حنذًا، وهو أن تحضره شوطًا أو شوطين، ثم تلقي عليه الجُلّ حتى يقطر عَرَقًا، يعضده: {بِعِجْلٍ سَمِينٍ} .
{فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) } :
قوله عز وجل: {لَا تَصِلُ إِلَيْهِ} أي إلى العجل.
{نَكِرَهُمْ} أي أنكرهم، يقال: نكر الشيء وأنكره واستنكره بمعنى.
وأنشد للأعشى:
305 -وأنكرتْني وما كان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادثِ إلَّا الشَّيْبَ والصَّلَعَا
غير أن (نكر) أشد مبالغة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -.
وقوله: {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أي: أحس وأضمر منهم خوفًا.
{وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) } :
قوله عز وجل: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ} محل الجملة النصب على الحال من الضمير في {أُرْسِلْنَا} القائم مقام الفاعل، أي: أرسلنا إليهم في حال قيام امرأته.
قيل: كانت قائمة وراء الستر تسمع تحاورهم، وقيل: كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم.