قوله عز وجل: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} (بأعيننا) في موضع الحال من المنوي في (اصنع) ، أي: اصنعها محفوظًا. قيل: وحقيقته ملتبسًا بأعيننا، كأن لله معه أعينًا تكلؤه أن يزيغ في صنعته عن الصواب، وألّا يحول بينه وبين عمله أحد من أعدائه.
{وَوَحْيِنَا} عطف على {بِأَعْيُنِنَا} أي: بما أوحينا إليك من صفتها، لأنه لم يعلم كيف صَنْعَتُها؟ فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -.
{وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) } :
قوله عز وجل: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ} (كلما) ظرف لـ {سَخِرُوا} ، و {قَالَ} استئنتاف على تقدير سؤال سائل.
وقد جوز أن يكون {سَخِرُوا} بدلًا من {مَرَّ} ، أو صفة لـ {مَلَأٌ} ، و {قَالَ} عاملًا في (كلما) .
وقوله: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} حكاية حال ماضية.
وقوله: {كَمَا تَسْخَرُونَ} محل الكاف نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وما مصدرية، أي: سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا، يقال: سَخِرْت منه أَسْخَر بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر سَخَرًا وسُخْرًا وسخْرية وسُخْريًا ومَسْخَرًا بمعنى. وعن أبي زيد: سَخِرتُ به. قال الجوهري: وهو أردأ اللغتين.
{فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) } :
قوله عز وجل: {مَنْ يَأْتِيهِ} من: تحتمل أن تكون موصولة، ومهما النصب بتعلمون، أي: فسوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يفضحه ويهلكه، ويعني به إياهم. وأن تكون استفهامية، فيكون محلها الرفع بالابتداء، والخبر {يَأْتِيهِ} .
وقوله: {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} أي: ويجب عليه، يقال: حل العذاب يحِلّ - بالكسر - أي: وجب، ويحُلّ - بالضم - أي: نزل، وبهما قُرِئ قوله عز وجل: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} .
{مُقِيمٌ} : دائم، وهو عذاب الآخرة، والأول عذاب الدنيا، وهو الغرق على ما فسر.