قوله عز وجل: {إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} هذا على التقديم والتأخير، أي: إن أراد الله إغواءكم لم ينفعكم نصحي.
{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) } :
قوله عز وجل: {أَمْ يَقُولُونَ} أي: بل أيقولون؟
وقوله: {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} الفاء جواب الشرط. والجمهور على كسر همزة {إِجْرَامِي} ، والإجرام: مصدر قولك: أجرم فلان يجرم إجرامًا، إذا جنى وكسب سيئة، والمعنى: إن صح وثبت أني اختلقته فعليَّ وبال إجرامي.
وقرئ: (أجرامي) بفتحها، وهو جمعُ جُرم، كقفل وأقفال، وجَرَمَ بمعنى أجرم، لُغَيَّةٌ، وأنشد:
300 -طَرِيدُ عَشيرةٍ وَرَهِينُ ذَنْبٍ ... بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنَى لِسَاني
{وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) } :
قوله عز وجل: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ} أن ما اتصل بها في موضع رفع بـ (أوحي) ، ولذلك فتحت. والضمير في {أَنَّهُ} ضمير الشأن والحديث.
وقرئ: (إنه) بكسر الهمزة على تقدير: قيل إنه، وأوحي على هذا مسند إلى {نُوحٍ} عليه السلام.
وقوله: {إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} مَن: موصول ومحله رفع؛ لأنه فاعل {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ} وهو من غير جنسٍ في المعنى.
والمعنى: إلّا من وجد منه ما كان يتوقع من إيمانه، و (قد) للتوقع.
وقوله: {فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا} (تبتئس) تفتعل من البؤس وهو الحزن مع استكانة، و (ما) موصولة.
وقيل: إنه لما دعا عليهم حزن واغتم، فقيل له: لا تبتئس بما كانوا يفعلون، أي: دع بسبب ما كانوا يفعلونه من الكفر الحزنَ عليهم، فإنهم كفرة فلا تحزن لهلاكهم.
{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) } :