واحدة، لم يجز إلّا أن تأتي في جميع ذلك بواو العطف، فكذلك المستثنى إذا لحقته إلّا لم يجز أن تتبعه اسمًا آخر؛ لأن (إلّا) تُعَدِّي الفعل، ولا تعديه إلّا إلى واحد كالمذكورين آنفًا وهما الباء والواو.
وجاز ذلك في الظرف لأن الظروف قد اتسع فيها ما لا يتسع في المفاعيل، ألا ترى أنهم قد قالوا: كم في الدار رجلًا، ففصلوا بينهما في الكلام، وقالوا: إن بالزعفران ثوبك مصبوغ.
ولو قلت: إن زيدًا عمرًا ضاربٌ، تريد: إن عمرًا ضاربٌ زيدًا لم يجز، وفي المسائل كثرة، وفيما ذكرت فيه كفاية لمن كان له قلب ويعرف العربية.
وقيل: انتصابه على المصدر لإضافته إلى المصدر، كقولك: ضربته أولى الضرب.
وقيل: على الحال من الكاف في {اتَّبَعَكَ} بمعنى: اتبعوك ظاهرًا أو بادئًا رؤيتك لهم.
والوجه هو الأول، وهو أن يكون منصوبًا على الظرف على ما أوضحت قبيل، أو على أن يكون أصله وقت حدوث أولى رأيهم، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه، وعليه الأكابر كأبي علي وغيره.
{قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) } :
قوله عز وجل: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} (من عنده) من صلة (أتاني) ، ولك أن تجعله صفة لرحمة.
وقوله: (فَعَمِيَتْ) الفاء جواب الشرط، ومعنى عَمِيَتْ: خفيت، والمنوي فيه للرحمة، أي: خفيت عليكم نبوتي؛ لأن الله تعالى منعكم عِلْمَها، وحَرَمَكُم التوفيق لعرفانها وفهمها، لما أصررتم عليه من العناد والكفر.
وقد جوز الشيخ أبو علي رحمه اللهُ أن يكون من المقلوب، أي: عميتم عنها؛ لأن الرحمة لا تعمى وإنَّما يُعمى عنها، فيكون هذا كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، وما أشبه هذا مما يقلب إذا لم يكن فيه لبس.
وقرئ: (فعُمِّيت) بضم العين وتشديد الميم، بمعنى أُخْفِيَتْ عليكم عقوبة لكم، أي: عماها الله عليكم، ويعضد هذه القراءة قراءة من قرأ: (فعمَّاها عليكم) وهما أُبي - رضي الله عنه - والأعمش.