قوله عز وجل: {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ} جرم: مبني مع لا على الفتح، واختلف في معناه، فقيل: لا بد ولا محالة، وقيل: لا حَقَّ، فهو اسم على هذا مبني مع لا في موضع رفع بالابتداء، والخبر {أَنَّهُمْ} .
ويجوز على قول من قال معناه حق: أن يكون في موضع رفع على أنه فاعل حقٍّ بمعنى: حقٌّ خسرانهم.
وقال أبو إسحاق: (لا) نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، وهو ما أصروا عليه، وأصل معنى جرم: كسب، من قولهم: فلان جارم أهله، أي: كاسبهم، فكأن المعنى عنده لا ينفعهم ذلك، ثم ابتدأ فقال: جرم أنهم في الآخرة لهم الأخسرون، فجرم على قوله فعل ماض معناه كسب، وفاعله مستكن فيه، وأَنَّ في موضع نصب والتقدير: جرم ذلك الفعل لهم الخسران في الآخرة.
وقيل: أَنَّ: في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته، إذ التقدير والمعنى: لا محالة في خسرانهم.
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) } :
قوله عز وجل: {وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ} أي: واطمأنوا إليه، وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع، من الخَبْت، وهي الأرض المطمئنة.
والإخبات: الخشوع، يقال: أَخْبَت لله، وفيه خَبْتَةٌ، أي: تواضع.
{مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24) } :
قوله عز وجل: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ} رفع بالابتداء، والخبر {كَالْأَعْمَى} ، أي: كمثل الأعمى، قاله أبو الحسن. شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم، وفريق المؤمنين بالبصير والسميع، والتقدير: مثل الفريق الكافر كمثل الأعمى والأصم، ومثل الفريق المؤمن كمثل السميع والبصير.
وقوله: {هَلْ يَسْتَوِيَانِ} : يعني الفريقين، {مَثَلًا} أي: في المثل، يعني في الشبه، وانتصابه على التمييز. والاستفهام بمعنى النفي، أي: لا يستويان.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) } :