وقرئ: (وبَطَلَ) على الفعل، لقوله: {وَحَبِطَ} ، و: (باطلًا) بالنصب على أن {مَا} صلة جيء بها للتأكيد، و (باطلًا) منصوب بيعملون، أي: وباطلًا كانوا يعملون، وفي هذه القراءة دلالة على جواز تقديم خبر كان عليها كقولك: قائمًا كان زيد، ووجه الدلالة من ذلك أنه إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، وباطلًا منصوب بيعملون، فالموضع إذًا ليعملون، لوقوع معموله متقدمًا، فكأنه قال: ويعملون باطلًا كانوا.
ومثله قول الله عز وجل: {أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} ، استدل الشيخ أبو علي بذلك على جواز تقديم خبر كان عليها لأن (إياكم) معمول (يعبدون) ، وهو خبر كان، وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع
العامل على ما ذكرت فيما سلف من الكتاب.
ولا يجوز أن يقع المعمول حيث لا يقع العامل، لأجل أن المعمول تابع للعامل، فلا يكون له تصرف لا يكون لعامله، وأجمل أحواله أن يقع في موقعه، فأما أن يفوقه في التصرف والوقوع حيث لا يقع هو فلا، وقد ذكر في"البقرة".
وعلى نحو ذلك ما استدل الشيخ أبو علي - رحمه الله - على جواز تقديم خبر المبتدأ عليه بقول الشماخ:
299 -كِلا يَوْمَيْ طُوَالَةَ وَصْلُ أَرْوَى ... ظَنُونٌ آنَ مُطَّرَحُ الظنونِ
فقال: كِلا: ظرف لقوله: ظنون، وظنون خبر المبتدأ الذي هو وصل أروى، فدل هذا على جواز تقديم ظنون على وصل أروى، كأنه قال: ظنون في كلا هذين اليومين وصل أروى أي: هو مُتّهم فيهما كليهما، فاعرفه فإنه أصل من الأصول.
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ
فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17) :
قوله عز وجل: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} الهمزة للاستفهام، والفاء جواب ما أخبر به عن مريدي الحياة الدنيا.