قوله عز وجل: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} الجمهور على فتح الياء وضم النون، وماضيه ثَنَى، من ثنيت الشيء ثنيًا، إذا عطفته، بمعنى: يطوون صدورَهم ويعطفونها على عداوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقيل: على الكفر. وقيل: على حديث النفس.
أو من ثنيت عِناني، إذا كففته، يقال: جاء ثانيًا من عنانه، بمعنى: يَزْوَرُّون عن الحق وينحرفون عنه؛ لأن مَن أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازْوَرَّ عنه وانحرف ثنى عنه صدره، وطوى عنه كَشْحَه.
وقرئ: (يُثْنُون) بضم الياء والنون، وماضيه أثنى، ولم يحكِ أحدٌ من أهل اللغة فيما اطلعت عليه أثنيت الشيء، بمعنى ثنيته، اللهم إلّا أن يحمل على باب أبخلت الرجل وأحمدته، إذا وُجد كذلك، بمعنى: يجدونها منثنية.
وقرئ: (تَثْنَوْنِي) بالتاء والياء مفتوحتين وسكون الثاء ونون مفتوحة وبعدها واو ساكنة بعدها نون مكسورة وبعدها ياء، ورفع الصدور على الفاعلية، وهو يفعوعل من ثنيت، وهو من أمثلة المبالغة لتكرير العين، كقولهم: أعشَب البلد، فإذا كثر ذلك فيه قيل: اعشوشب.
وقرئ كذلك إلّا أنه بحذف الياء الأخيرة تخفيفًا لأجل طول الكلمة.
وقرئ: (تَثْنَوِنُّ) بفتح التاء وإسكان الثاء وفتح النون وكسر الواو وبعدها نون مضمومة مشددة ورفع الصدور، وأصله تثنونِنُ، تَفعَوعِلُ من لفظ الثِنّ ومعناه، والثِنُّ بالكسر: ما هش وضعف من الكلأ، قال:
297 -* تَكْفِي اللَّقُوحَ اكْلَةٌ من ثِنِّ *
فلزم الإدغام لتكرير العين إذا كان غير ملحق، فأسكنت النون الأولى بأن نقلت كسرتها على الواو، وأدغمت النون في النون فبقي (تَثْنَوِنُّ) كما ترى.
والمعنى: مطاوعة صدورهم للثني، كما ينثني الهش من النبات لضعفه فهو سريع إلى طالبه، وكذلك صدورهم مطاوعة لهم إلى أن يثنوها ليستخفوا من الله جل ذكره.
وقرئ: كذلك إلّا أنه جعل مكان الواو همزة مكسورة، وهي مبدلة من الواو، كما أبدلت في وسادة، ووعاء، فقيل: إسادة وإعاء لانكسارها.
وذهب أبو إسحاق: في قولهم مصائب بالهمز إلى أن أصلها مصاوب، فهمزت الواو لانكسارها، كما همزت في إسادة وإعاء.