قال تعالى"وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ"وأرهقته"لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي"تباعد عني كل ما يسوءني من فقر ومرض وخوف وذل ، فيأمن مكر اللّه إذ يغيب عن باله زوالها إذا لم يؤد شكرها ويصرفها مصارفها ولم يضفها إلى اللّه تعالى بل إلى الصدقة والعادة والكد ، ولهذا فقد ذمه اللّه بقوله عز قوله"إِنَّهُ لَفَرِحٌ"بما ناله من ذلك الخير"فَخُورٌ 10"به على غيره ، ولم يخطر بباله أن ذلك كله من ربه.
واعلم أن للفرح لذة في القلب تحصل بنيل المراد ، واليئوس والفخور والكفور ، أحمد مبالغة تدل على الكثرة والفخر والتطاول على الناس بما عنده من المعاقب والمال والنشب والرياش والرياسة ، واللام في لئن في الآيات الأربع المارة موطئة للقسم ، وجوابه سادس جواب الشرط كما في قوله:
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها وأمكنني منها إذا لا أقيلها
برفع أقيلها لأن إذن هنا حرف جواب وجزاء فقط ، إذ فصلت لا النافية بينها وبين الفعل ، وشرط النصب بها عدم الفصل والتصدير وكون الفعل بعدها مستقبلا ولم يغتفر بالفصل بينها وبين الفعل إلا بالقسم كقوله:
إذن واللّه نرميهم بحرب يشيب الطفل من قبل المشيب
لأن الفصل بغير القسم يمنع تسلط الناصب ، وعليه قول أبي محجن الثقفي رحمه اللّه:
إذا مت فادفنّي إلى أصل كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنّي في الفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
بالرفع لعدم تسلط الناصب بسبب الفصل بلا ، وإنما قلت رحمه اللّه لأنه تاب توبة نصوحا في حرب القادسية ، وسنأتي على قصته في غير هذا الموضع.
قال تعالى"إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا"على الشدائد والمصائب وأيقنوا أن اللّه تعالى سيبدل عسرهم يسرا ، وخسرهم نفعا ، وخوفهم أمنا ، وذلّهم عزّا ، فإن هؤلاء يسندون كل ما يصيهم إلى ربهم ويعلمون أن الخير برضاه والشر بقضاه.