فإنه مقدم عليها ، قال تعالى"وَحاقَ بِهِمْ"أحاط بهم من جميع جهاتهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ 8"أي العذاب المعبر عنه بما من كل جوانبهم فلا محيص لهم للتخلص منه ، وأصل (حاقَ) حقّ مثل زل وزال وذم وذام ، وجاء بمعنى الماضي لتحقق وقوعه ، وإلا فالمقام يستدعي مجيئه مستقلا لعدم وقوعه بعد (ان يحيق بهم) وجاء بيستهزئون مكان يستعجلون ، لأن استعجالهم بطلب نزول العذاب كان بطريق السخرية ، لأنهم غير مصدقين به قال تعالى"وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً"من صحة وسعة وأمن بحيث يجد لذّتها ، ولذلك عبّر"
بالإذاقة عن الإعطاء والإيصال"ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ"لعدم قيامه بشكرها ، قال عليه الصلاة والسلام اشكروا النعم لا تكفروها ، فإنها إن زالت فهيهات أن تعود.
فالعاقل يقدر النعمة حال تلبسه بها ، والجاهل لا يقدرها حتى تسلب منه بالمرض والضّيق والخوف فإذ ذاك يندم ولات حين مندم ، وعبّر عن السلب بالنزع إشعارا بشدة تعلقه بها وإيذانا بزيادة حرصه عليها"إِنَّهُ لَيَؤُسٌ"من عودها إليه قنوط الرجاء من فضل اللّه ، لعدم صبره وتوكله عليه وثقته به ، ولو كان متوكلا وثقا باللّه لقيدها بالشكر ولكنه"كَفُورٌ 9"لما أسلفه اللّه من النعم شديد الجحود لها كأن لم ينعم عليه بشيء ، لأن الضيق بعد سعة الرزق ، والمرض بعد الصحة ، والخوف بعد الأمن صعب جدا ، لا يقدر من يصبر عليه كل أحد ، أجارنا اللّه من ذلك.