وكما يحث الإسلام على استثمار المال ، يطالبنا أيضاً بألا يذهب المال إلى الناس بغير عمل ؛ حتى لا يعتادوا على الكسب مع الكسل وعدم العمل . ولذلك قيل: إذا كثر المال ولم تكن هناك حاجة إلى مشروعات جديدة ، فلا تترك الناس عاطلين ؛ بل عليك أن تأمرهم ولو بحفر بئر ثم تأمرهم بطمّها أي ردمها ، في هذه الحالة سيأخذ العمال أجر الحفر والردم ، فلا تنتشر البطالة ويتعود الناس أن يأكلوا بدون عمل ؛ لأن هذا أقصر طريق لفساد المجتمع .
إذن: فالحق سبحانه وتعالى يريد للمال أن يتحرك ولا يكنز ؛ ولذلك قال المولى سبحانه وتعالى: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} لأنهم بكنزهم المال إنما يُوقفُونَ حركة الحياة التي أرادها الله تعالى لكونه . وأنت ترى العالم الآن يعيش في غائلة البطالة ؛ لأن المال لا يتحرك لعمارة الكون ، بل هناك من يكتنزون فقط .
ولقائل أن يقول: ولكن الناس الآن يتعاملون بالنقد الورقي ، بينما ذكر الله سبحانه وتعالى الذهب والفضة ؛ نقول: إن العملة الورقية ليست نقداً بذاتها ، ولكنها استخدمت لتعفي الناس من حمل كميات كبيرة وثقيلة من الذهب والفضة ، قد لا يقدرون على حملها ، إذن فهي عملية للتسهيل ، وهي منسوبة إلى قيمتها ذهباً ، إذن: فالذين يكنزون العملة الورقية ولا ينفقونها فيما يعمر بها الكون وتتم عمارته تنطبق عليهم الآية الكريمة .
ولكن الكنز في هذه الآية لا يأتي فقط بمعنى الجمع ؛ ولكنه أيضاً بمعنى أنهم لا يؤدون حق الله فيها . ولذلك فإن المال الذي أخرجتَ زكاته لا يُعدُّ كنزاً ، لأنه يتناقص بالزكاة عاماً بعد آخر ؛ أما المال المكنوز فهو المال الذي لا تُؤدَّى زكاته . والذي يملك مالاً مهما كانت قيمته ويؤدي حق الله فيه لا يعتبر كانزاً للمال . بل الكنز في هذه الحالة ما لم يؤد فيه حق الله .