أما إذا كان الدين ماشية كأربعين من الغنم ، أو غير لازم كدين الكتابة. فلا تجب فيه الزكاة اتفاقاً عندهم. وإن كان عليه دين مستغرق ، أو لم يبق بعده كمال النصاب فقال الشافعي في (القديم) : يسقط الدين المستغرق ، أو الذي ينقص به المال عن النصاب وجوب الزكاة ، لأن الملك فيه غير مستقر لأنه ربما أخذه الحاكم لحق الغرماء ، وقال في (الجديد) : تجب الزكاة ولا يسقطها الدين لاختلاف جهتهما ، لأن الزكاة تتعلق بعين المال والدين يتعلق بالذمة ، وإن حجر عليه ففيه خلاف كثير.
أصحه عند الشافعية: أنه يجري على حكم زكاة المغصوب ، وقد قدمنا حكمه ، وللشافعية قول ثالث ، وهو أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة وهي الذهب والفضة ، وعروض التجارة ، ولا يمنعها في الظاهرة وهي الزروع والثمار والمواشي والمعادن.
والفرق أن الأموال الظاهرة نامية بنفسها بخلاف الباطنة ، وهذا هو مذهب مالك كما تقدم ، ودين الآدمي ودين الله عندهم سواء في منع وجوب الزكاة ، ومذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن من كان له دين على ملئ مقربه غير مماطل فليس عليه إخراد زكاته حتى يقبضه ، فإن قبضه أدى زكاته فيما مضى من السنين.
وروي نحوه عن علي رضي الله عنه ، وبه قال الثوري ، وأبو ثور ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، وقال: عثمان وابن عمر وجابر ، رضي الله عنهم ، وطاوس والنخعي وجابر بن زيد والحسن ، وميمون بن مهران والزهري وقتادة ، وحماد بن أبي سليمان وإسحاق وأبو عبيد ، عليه إخراج زكاته في الحال ، لأنه قادر على قبضه.
وقد قدمنا أنه قول مالك والشافعي ، فإن كان الدين على معسر ، أو جاحد ، أو مماطل ، فروايتان.
أحدهما: لا تجب فيه الزكاة ، وهو قول قتادة ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأهل العراق ، لأنه غير مقدور على الانتفاع به.