على أن ذلك ينزع إلى القول بأن التسمية ليست من القرآن، وإنما كتبت للفصل بين السور كما نقل عن قدماء الحنفية، وإن مناط إثباتها في المصاحف، وتركها إنما هو رأي من تصدى لجمع القرآن دون التوقيف، ولا ريب في أن الصحيح من المذهب أنها آية فذة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها، وأن لا مدخل لرأي أحد في الإثبات والترك، وإنما المتبع في ذلك هو الوحي والتوقيف ولا مرية في عدم نزولها هاهنا، وإلا لامتنع أن يقع في الاستقلال اشتباه أو اختلاف فهو إما لاتحاد السورتين أو لما ذكرنا، لا سبيل إلى الأول وإلا لبينه عليه الصلاة والسلام لتحقق مزيد الحاجة إلى البيان لتعاضد أدلة الاستقلال من كثرة الآيات وطول المدة فيما بين نزولهما فحيث لم يبينه عليه الصلاة والسلام تعين الثاني لأن عدم البيان من الشارع في موضع البيان بيان للعدم.
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ
(براءة) أي هذه براءة وتنوينه للتفخيم، وقرئ بالنصب أي اسمعوا براءة قاله عيسى بن عمر، يقال: برئت من الشيء ابرأ براءة وأنا منه بريء إذا أزلته عن نفسك وقطعت سبب ما بينك وبينه، وقيل معناها هنا التباعد مما تكره مجاورته (من الله ورسوله) من ابتدائية أي هذه براءة مبتدأة من جهة الله تعالى ورسوله واصلة (إلى الذين عاهدتم من المشركين) عهداً مطلقاً أو دون أربعة أشهر أو فوقها، والعهد العقد الموثق باليمين، والخطاب للمسلمين ومن بيان للموصول وقد عاهدوا مشركي مكة وغيرهم بإذن من الله واتفاق من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.