(بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) .
قال قائلون: النعمة التي أنعمها عليهم هم الرسل الذين بعثهم إليهم والكتب التي أنزلها عليهم ألم يكن، مغيرا لتلك النعم (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) بالتكذيب والرد وترك القبول، وهو كقوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، وقوله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا...) الآية.
وقال قائلون: قوله: (لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ، أي: حتى يصرفوا شكر نعمه إلى غير اللَّه ويعبدون دونه، أي: لا يغير النعم التي أنعمها عليهم حتى يغيروا ما بأنفسهم، يعبدون غير اللَّه، ويشكرون غير الذي أنعم عليهم، فعند ذلك غير اللَّه ما بهم من النعمة، وكذلك قال ابن عَبَّاسٍ: نعمة من النعم إن تولوا عن شكرها، غير اللَّه عليهم وأخذها منهم.
والثاني: يحتمل النعمة الدِّينية، وهو تكذيبهم الرسل وردهم الكتب بعد ما أقسموا أنهم يكونون أهدى من إحدى الأمم، واختيارهم الشرك والكفر على الإسلام والتوحيد، فإذا اختاروا تغيير ذلك، غير عليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) .
يخرج على وجهين:
أحدهما: النعمة الدنيوية، لا تتغير تلك عليهم إلا بتغيير من قبلهم؛ إما بترك الشكر لها، وإما بصرفه إلى غير الذي أنعمها عليهم، ولو غيرت عليهم غيرت ببدل، فليس ذلك - في الحقيقة - تغيير (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .
قيل: أي: سميع لشكر من يشكره ويحمده، عليم بزيادة النعمة إذا شكر.
ويحتمل: (سَمِيعٌ) أي: مجيب، (عَلِيمٌ) : بمصالحهم.