في الآية دلالة الرد على المجبرة؛ لأنهم لا يجعلون للعبيد في أفعالهم صنعًا، يجعلون حقيقة الأفعال لله، وذكر (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) ، فلو لم يكن لهم صنع، لم يكن لقوله: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) معنى، وكذلك قوله: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ، فلو لم يكن لهم حقيقة الفعل، لكان الئعذيب ظلمًا؛ دل أن لهم فعلا، واللَّه أعلم.
قوله: (لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) .
فيما شرع من القتال، والإهلاك، والتعذيب في الآخرة؛ لأنه مكن لهم ما يكسبون به النجاة والحياة الدائمة، فما لحقهم مما ذكر، إنما كان باكتسابهم واختيارهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ(52)
قَالَ بَعْضُهُمْ: صنيع هَؤُلَاءِ، أي: صنيع أهل مكة بمُحَمَّد كصنيع فرعون وقومه بموسى يعني في التكذيب والكفر بآياته.
وقال قائلون: صنع اللَّه بأهل مكة من العقوبة كصنيعه بفرعون وآله ومن سبق من الأمم من الإهلاك والتعذيب، وقد فعل بأهل مكة يوم بدر بسوء معاملتهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، كما فعل ذلك بفرعون وآله بسوء معاملتهم موسى.
(كَدَأبِ) .
قيل: كصنيع.
وقيل: كفعل.
وقيل: كأشباه.
وقيل: كعمل؛ وهو واحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .
وقوله: (شَدِيدُ الْعِقَابِ) ، أي: لا يضعفه شيء يمنعه عما يريد.
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(53)
أي: ذلك العذاب والعقاب الذي ذكره.