فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ مُرَادٌ بِهِ الْخُصُوصُ بِقَوْلِهِ: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْخَبَرَ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ بِذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهَا الرَّمْيُ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ مَعَانِي الْقُوَّةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الرَّمْيَ أَحَدُ مَعَانِي الْقُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ فِي الْخَبَرِ: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» وَلَمْ يَقُلْ دُونَ غَيْرِهَا. وَمِنَ الْقُوَّةِ أَيْضًا السَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْحَرْبَةُ، وَكُلُّ مَا كَانَ مَعُونَةً عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، كَمَعُونَةِ الرَّمْيِ أَوْ أَبْلَغَ مِنَ الرَّمْيِ فِيهِمْ وَفِي النِّكَايَةِ مِنْهُمْ، هَذَا مَعَ وَهْيِ سَنَدِ الْخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ} فَإِنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهِ الْجِنَّ، أَقْرَبُ وَأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَدْخَلَ بِقَوْلِهِ: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} الْأَمْرَ بِارْتِبَاطِ الْخَيْلِ لِإِرْهَابِ كُلِّ عَدُوٍّ لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَهُمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا عَالِمِينَ بِعَدَاوَةِ قُرَيْظَةَ وَفَارِسَ لَهُمْ؛ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ وَأَنَّهُمْ لَهُمْ حَرْبٌ، وَلَا مَعْنَى لِأَنْ يُقَالَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَهُمْ لَهُمْ أَعْدَاءً، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ، وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تُرْهِبُونَ بِارْتِبَاطِكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْخَيْلَ عَدُوَّ اللَّهِ وَأَعْدَاءَكُمْ مِنْ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمْتُمْ عَدَاوَتَهُمْ لَكُمْ لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُرْهِبُونَ بِذَلِكَ جِنْسًا آخَرَ مِنْ غَيْرِ بَنِي آدَمَ لَا تَعْلَمُونَ أَمَاكِنَهُمْ وَأَحْوَالَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ دُونَكُمْ؛ لِأَنَّ بَنِي آدَمَ لَا يَرَوْنَهُمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ صَهِيلَ الْخَيْلِ يُرْهِبُ الْجِنَّ، وَإِنَّ الْجِنَّ لَا تَقْرَبُ دَارًا فِيهَا فَرَسٌ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ مَا عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ، فَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ عُنِيَ بِذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ؟