فإنه أثبت له صمماً مع وجود السمع ولما سلب عنهم هذه المعاني كانت النتيجة {أولئك} أي: البعداء من المعاني الإنسانية {كالأنعام} في أنها لا تفهم ولا تعقل ذلك ؛ لأنّ الإنسان وسائر الحيوانات مشتركة في هذه الحواس الثلاث التي هي القلب والبصر والسمع ، وإنما فضل الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل والإدراك والفهم المؤدّي إلى معرفة الحق من الباطل والخير من الشرّ ، فإذا كان الكافر لا يعرف ذلك ولا يدركه كان لا فرق بينه وبين البهائم التي لا تدرك شيئاً ، ولما كانوا قد زادوا على ذلك بفقد نفع هذه الحواس قال تعالى: {بل هم أضلّ} سبيلاً من الأنعام ؛ لأنّ الأنعام تعرف ما يضرّها وما ينفعها ، فإذا رأت ناراً مثلاً لا تقع فيها ، وإذا رأت كلأ مثلاً دخلت فيه ، والكافر لا يعرف ذلك ؛ ولأنّ الحيوان لا قدرة له على تحصيل هذه الفضائل ؛ والإنسان أعطي القدرة على تحصيلها ، ومن أعرض عن اكتساب الفضائل العظيمة مع القدرة على تحصيلها كان أخس حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها ؛ ولأنّ الأنعام مطيعة لله تعالى ، والكافر غير مطيع ، ولأنّ الأنعام تعرف ربها وتذكره ، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه ؛ ولأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد ، فأما إذا كان معها مرشد فقل أن تضل ، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وأنزل عليهم الكتب ، وهم يزدادون في الضلالة.
ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {أولئك هم الغافلون} قال عطاء: عما أعدّ الله تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.
{و الأسماء الحسنى} ذكر ذلك في أربع سور أوّلها هذه السورة ، وثانيها في آخر سورة بني إسرائيل في قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعو فله الأسماء الحسنى} (الإسراء ،)
وثالثها في أوّل طه وهو قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} (طه ،)
ورابعها في آخر الحشر في قوله تعالى: {هو الله الخالق البارئ المصوّر له الأسماء الحسنى} (الحشر ،)