واختصاصها بكل تلك الصفات التي باعتبارها خالفت سائر الأجسام ، لا بد وأن يكون من الجائزات ، والجائز لا بد له من مرجح ، وذلك المرجح إن كان جسماً عاد البحث الأول فيه ، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه ، فثبت أن تلك الذرة دالة على وجود الصانع من جهات غير متناهية ، واعتبارات غير متناهية ، وكذا القول في جميع أجزاء العالم الجسماني والروحاني ، مفرداته ومركباته وسفلياته وعلوياته وعند هذا يظهر لك صدق ما قال الشاعر:
وفي كل شيء له آية.. تدل على أنه واحد
وإذا عرفت هذا فحينئذ ظهرت الفائدة لك من قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيْء} ولما نبه الله تعالى على هذه الأسرار العجيبة والدقائق اللطيفة ، أردفه بما يوجب الترغيب الشديد في الإتيان بهذا النظر والتفكر فقال: {وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ} ولفظة {أن} في قوله: {وَأَنْ عسى} هي المخففة من الثقيلة تقديره: وأنه عسى ، والضمير ضمير الشأن ، والمعنى: لعل آجالهم قربت فهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار ، وإذا كان هذا الاحتمال قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذه الفكرة ، والمبادرة إلى هذه الرؤية ، سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم ، ولما ذكر تعالى هذه البيانات الجلية والدلائل العقلية قال: {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون} [الأعراف: 185] وذلك لأنهم إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن مع ما فيه من هذه التنبيهات الظاهرة والبينات الباهرة ، فكيف يرضى منهم الإيمان بغيره.
واعلم أن هذه الآية دالة على مطالب كثيرة.
المطلب الأول: أن التقليد غير جائز ولا بد من النظر والاستدلال ، والدليل على أن الأمر كذلك قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} .