{وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا} الْحَقَّ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ كَالْأَنْعَامِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ شَرًّا مِنَ الْأَنْعَامِ، فَقَالَ: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ هُمُ الْغَافِلُونَ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ} هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَرَأَهُمْ لِجَهَنَّمَ هُمْ كَالْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْبَهَائِمُ الَّتِي لَا تَفْقَهُ مَا يُقَالُ لَهَا وَلَا تَفْهَمُ مَا أَبْصَرَتْهُ مِمَّا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ وَلَا تَعْقِلُ بِقُلُوبِهَا الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ فَتُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا، فَشَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَا؛ إِذْ كَانُوا لَا يَتَذَكَّرُونَ مَا يَرَوْنَ بِأَبْصَارِهِمْ مِنْ حُجَجِهِ، وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا يَسْمَعُونَ مِنْ آيِ كِتَابِهِ. ثُمَّ قَالَ: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ}
يَقُولُ: هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ الَّذِينَ ذَرَأَهُمْ لِجَهَنَّمَ أَشَدُّ ذَهَابًا عَنِ الْحَقِّ وَأَلْزَمُ لِطَرِيقِ الْبَاطِلِ مِنَ الْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّ الْبَهَائِمَ لَا اخْتِيَارَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ فَتَخْتَارَ وَتُمَيِّزَ، وَإِنَّمَا هِيَ مُسَخَّرَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ تَهْرَبُ مِنَ الْمَضَارِّ وَتَطْلُبُ لِأَنْفُسِهَا مِنَ الْغِذَاءِ الْأَصْلَحَ. وَالَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، مَعَ مَا أُعْطُوا مِنَ الْأَفْهَامِ وَالْعُقُولِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَضَارِّ، تَتْرُكُ مَا فِيهِ صَلَاحُ دُنْيَاهَا وَآخِرَتِهَا وَتَطْلُبُ مَا فِيهِ مَضَارُّهَا، فَالْبَهَائِمُ مِنْهَا أَسَدُّ وَهِيَ مِنْهَا أَضَلُّ، كَمَا وَصَفَهَا بِهِ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
وَقَوْلُهُ: {أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ صِفَتَهُمْ، الْقَوْمُ الَّذِينَ غَفَلُوا، يَعْنِي سَهَوْا عَنْ آيَاتِي وَحُجَجِي، وَتَرَكُوا تَدَبُّرَهَا وَالِاعْتِبَارَ بِهَا وَالِاسْتِدَلَالَ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ رَبِّهَا، لَا الْبَهَائِمُ الَّتِي قَدْ عَرَّفَهَا رَبُّهَا مَا سَخَّرَهَا لَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}