فإن كانا موجودين فلم يصر عين أحدهما عين الآخر بل عين كل واحد منهما موجود وإنما الغاية أن يتحد مكانهما وذلك لا يوجب الاتحاد فإن العلم والإرادة والقدرة قد تجتمع في ذات واحدة ولا تتباين محالها ولا تكون القدرة هي العلم ولا الإرادة ولا يكون قد اتحد البعض بالبعض
وإن كان معدومين فما اتحدا بل عدما ولعل الحادث شيء ثالث
وإن كان أحدهما معدوما والآخر موجودا فلا اتحاد إذ لا يتحد موجود بمعدوم
فالاتحاد بين شيئين مطلقا محال وهذا جار في الذوات المتماثلة فضلا عن المختلفة فإنه يستحيل أن يصير هذا السواد ذاك السواد كما يستحيل أن يصير هذا السواد ذلك البياض أو ذلك العلم والتباين بين العبد والرب أعظم من التباين بين السواد والبياض والجهل والعلم
فأصل الاتحاد إذا باطل وحيث يطلق الاتحاد ويقال هو هو لا يكون إلا بطريق التوسع والتجوز اللائق بعادة الصوفية والشعراء فإنهم لأجل تحسين موقع الكلام من الإفهام يسلكون سبيل الاستعارة كما يقول الشاعر
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا
وذلك مؤول عند الشاعر فإنه لا يعني به أنه هو تحقيقا بل كأنه هو فإنه مستغرق الهم به كما يكون هو مستغرق الهم بنفسه فيعبر عن هذه الحالة بالاتحاد على سبيل التجوز