قال القتيبي: كل شيء يلهث ، فإنما يلهث من إعياء أو عطش ، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال ، وحال الراحة ، وحال المرض ، وحال الصحة ، وحال الري ، وحال العطش.
فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته ؛ فقال: إن وعظته ضلّ ، وإن تركته ضلّ ، فهو كالكلب إن تركته لهث ، وإن طردته لهث ، كقوله تعالى: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون} [الأعراف: 193] واللهث: إخراج اللسان لتعب أو عطش أو غير ذلك.
قال الجوهري: لهث الكلب بالفتح يلهث لهثاً ولهاثاً بالضم إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش ، وكذلك الرجل إذا أعيا.
قيل معنى الآية: أنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هارباً ، وإن تركته شدّ عليك ونبح ، فيتعب نفسه مقبلاً عليك ومديراً عنك ، فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان.
والإشارة بقوله {ذلك} إلى ما تقدّم من التمثيل بتلك الحالة الخسيسة.
وهو مبتدأ وخبره {مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا} أي: ذلك المثل الخسيس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من اليهود ، بعد أن علموا بها وعرفوها ، فحرفوا وبدّلوا ، وكتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوا بها {فاقصص القصص} أي فاقصص عليهم هذا القصص الذي هو صفة الرجل المنسلخ عن الآيات ، فإن مثله المذكور كمثل هؤلاء القوم المكذبين من اليهود الذين تقص عليهم {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} في ذلك ويعملون فيه أفهامهم ، فينزجرون عن الضلال ، ويقبلون على الصواب.