فإن قيل: ظاهر قوله:"سَاءَ مَثَلاً"يقتضي كون ذلك المثل موصوفاً بالسُّوء، وذلك غير جائز؛ لأن هذا المثل ذكره الله تعالى، فكيف يكون موصوفاً بالسُّوء؟ وأيضاً فهو يفيد الزجر عن الكُفرِ والدَّعوة إلى الإيمان، فكيف يكون موصوفاً بالسُّوءِ؟
فالجوابُ: أنَّ الموصوف بالسُّوءِ ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها، حتَّى صارُوا في التمثيل بذلك بمنزلة الكلبِ اللاَّهِث.
قوله: {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} "أنْفُسَهُمْ"مفعول لـ"يَظْلِمُونَ"وفيه دليلٌ على تقديم خبر"كان"عليها؛ لأنَّ تقديم المعمول يؤذنُ بتقديم العامل غالباً، لأنَّ ثمَّ مواضع يمتنع فيها ذلك نحو: {فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ} [الضحى: 9] ف"اليتيمَ"مفعول بـ"تقهر"ولا يجوز تقديم"تَقْهَرْ"على جازمه، وهو محتملٌ للبحث.
وهذه الجملةُ الكونيةُ تحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون نسقاً على الصلة وهي"كذَّبُوا بآيَاتِنَا"والمعنى: الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله، وظلم أنفسهم.
والثاني: أن تكون مستأنفة، أي: وما ظلموا إلا أنفسهم بالتَّكذيب، وعلى كلا القولين فلا محلَّ لها، وقُدِّم المفعولُ، ليفيدَ الاختصاص وهذا على طريق الزمخشريِّ وأنظاره كأنَّهُ قيل: وخصوا أنفسهم بالظُّلْمِ، وما تعدى أثر ذلك الظُّلم عنهم إلى غيرهم. انتهى انتهى. {تفسير ابن عادل حـ 9 صـ 391 - 393}