قُلْت: وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} [الواقعة: 17] أَيْ قَدْ خُلِقُوا لِلْبَقَاءِ؛ لِذَلِكَ لَا يَتَغَيَّرُونَ وَلَا يَكْبَرُونَ، وَهُمْ عَلَى سِنٍّ وَاحِدٍ أَبَدًا؛ وَقِيلَ: هُمْ الْمُقَرَّطُونَ فِي آذَانِهِمْ وَالْمُسَوَّرُونَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ فَسَّرُوا اللَّفْظَةَ بِبَعْضِ
لَوَازِمِهَا، وَذَلِكَ أَمَارَةُ التَّخْلِيدِ عَلَى ذَلِكَ السِّنِّ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف: 176] قَالَ الْكَلْبِيُّ: اتَّبَعَ مَسَافِلَ الْأُمُورِ وَتَرَكَ مَعَالِيَهَا، وَقَالَ أَبُو وَرَقٍ: اخْتَارَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ الدُّنْيَا وَأَطَاعَ شَيْطَانَهُ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: كَانَ هَوَاهُ مَعَ الْقَوْمِ يَعْنِي الَّذِينَ حَارَبُوا مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَقَالَ يَمَانٌ: اتَّبَعَ امْرَأَتَهُ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلَى مَا فَعَلَ.
فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِدْرَاكُ بِلَكِنَّ يَقْتَضِي أَنْ يُثْبِتَ بَعْدَهَا مَا نَفَى قَبْلَهَا، أَوْ يَنْفِيَ مَا أَثْبَتَ، كَمَا تَقُولُ: لَوْ شِئْت لَأَعْطَيْتُهُ لَكِنِّي لَمْ أُعْطِهِ، وَلَوْ شِئْت لَمَا فَعَلْت كَذَا لَكِنِّي فَعَلْتُهُ؛ فَالِاسْتِدْرَاكُ يَقْتَضِي وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّا لَمْ نَشَأْ أَوْ لَمْ نَرْفَعْ، فَكَيْفَ اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} [الأعراف: 176] بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} [الأعراف: 176] ؟ قِيلَ: هَذَا مِنْ الْكَلَامِ الْمَلْحُوظِ فِيهِ جَانِبُ الْمَعْنَى الْمَعْدُولِ فِيهِ عَنْ مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ إلَى الْمَعَانِي، وَذَلِكَ أَنَّ مَضْمُونَ قَوْلِهِ: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} [الأعراف: 176] أَنَّهُ لَمْ يَتَعَاطَ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَقْتَضِي رَفْعَهُ بِالْآيَاتِ مِنْ إيثَارِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ عَلَى هَوَاهُ، وَلَكِنَّهُ آثَرَ الدُّنْيَا وَأَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ