فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ أَعْلَمْ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ بِهِ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ عَبْدَهُ إذَا شَاءَ بِمَا آتَاهُ مِنْ الْعِلْمِ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ بِهِ رَأْسًا، فَإِنَّ الْخَافِضَ الرَّافِعَ سُبْحَانَهُ خَفَضَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَالْمَعْنَى لَوْ شِئْنَا فَضَّلْنَاهُ وَشَرَّفْنَاهُ وَرَفَعْنَا قَدْرَهُ وَمَنْزِلَتَهُ بِالْآيَاتِ الَّتِي آتَيْنَاهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِعَمَلِهِ بِهَا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: {لَرَفَعْنَاهُ} [الأعراف: 176] عَائِدٌ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْمَعْنَى لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَا عَنْهُ الْكُفْرَ بِمَا مَعَهُ مِنْ آيَاتِنَا، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: لَرَفَعْنَا عَنْهُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ وَعَصَمْنَاهُ؛ وَهَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ مُرَادُ الْآيَةِ، وَهَذَا مِنْ لَوَازِمِ الْمُرَادِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ كَثِيرًا مَا يُنَبِّهُونَ عَلَى لَازِمِ مَعْنَى الْآيَةِ فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْهَا: وَقَوْلُهُ: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} [الأعراف: 176] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَكَنَ إلَى الْأَرْضِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَكَنَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: رَضِيَ بِالدُّنْيَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَزِمَهَا وَأَبْطَأَ، وَالْمُخْلِدُ مِنْ الرِّجَالِ: هُوَ الَّذِي يُبْطِئُ مِشْيَتَهُ، وَمِنْ الدَّوَابِّ: الَّتِي تَبْقَى ثَنَايَاهُ إلَى أَنْ تَخْرُجَ رُبَاعِيَّتُهُ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: خَلَدَ وَأَخْلَدَ، وَأَصْلُهُ مِنْ الْخُلُودِ وَهُوَ الدَّوَامُ وَالْبَقَاءُ، وَيُقَالُ: أَخْلَدَ فُلَانٌ بِالْمَكَانِ، إذَا أَقَامَ بِهِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ:
بِأَبْنَاءِ حَيٍّ مِنْ قَبَائِلِ مَالِكٍ ... وَعَمْرِو بْنِ يَرْبُوعٍ أَقَامُوا فَأَخْلَدُوا