والفرق أنك إذا قلت في فلان إنه يشبه حاتماً في الكرم ، فقد تكون أول من يخبر عنه ، ولك أن تأتي بواحد له شهرة ذائَعة الصيت على كل لسان ؛ فهذا مَثَل ، كأن تقول: مَثَل حاتم في الكرم ، أو مَثل عنترةَ في الشجاعة . والمَثَل في الذكاء إياس ، لأن كل واحد منهم مشهور بصفة ، ولذلك لما مدح الشاعر الخليفة قال فيه: إقدام عمرو (في شجاعته) في سماحة حاتم (أي الطائي) في حلم أحنف (الأحنف بن قيس وكان مشهوراً بالحلم عند العرب) وفي ذكاء إياس . وقال رجل من القوم: كيف تُشَبَّهُ الأميرَ بصعاليك العرب؟ إن الأمير فوق من ذكرت جميعاً .
ما عمرو بالنسبة للأمير؟!
وما حاتم بالنسبة للأمير؟!
فقال الشاعر:
وشبهه المدّاح في الباس والندى ... بمن لو رآه كان أصغر خادم
ففي جيشه خمسون ألفاً كعنتر ... وفي خُزنه أُلف ألف كحاتم
أي أن عنده أمثالَ حاتمٍ وأمثال عنترة . فما كان منه إلا أن أسعفته ذاكرته وبديهيته ؛ فقال:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس
وكأن الشاعر يقول: أنا ضربت بهم المَثل لأنهم أصبحوا المثل المشهور والأمثال لا تتغير .
وأنت تقدر في المثل ، فقد تقول: فلان حاتم ، وحاتم انقضى عمره ، لكنه قد صار مثلاً مشهوراً في التاريخ ، أو تقول:"فلان عنتر"، أو"فلان إياس"، وفي ذلك يرتقي التشبيه ، بأن صار المشبَّه به مشهوراً معلوماً متوارداً على الألسنة وكل واحد يشبه به .