ومن يريد أن يرفعه الله إلى السماء بالوحي بالمنهج ثم يهبط إلى الأرض نجد الحق سبحانه وتعالى يمثل حاله بحال الكلب ، مع الفارق بين الاثنين ؛ لأن الكلب يلهث غريزة . فهو غير مذموم حين يلهث وهو مطرود ، ويلهث غير مطرود فهذه غريزة فيه ، ولا يذم على هذه ولا على تلك ، لكن الإنسان الذي فطره الله على حب الخير وميز غرائزه بمنهج عقلي يصون حركته ما كان يصح له أن يفعل ذلك ولا ينبغي أن تقولوا: وما ذنب الكلب في أنه يلهث ، ويضرب به المثل في الكفر؟ لأن الكلب يفعلها غريزة ، وهو بغير تكليف فيفعل ما يشاء ، أما الإنسان الذي ارتفع بكفره وميزه الله بأن يختار بين البديلات ما كان يصح له أن يصل إلى هذا المستوى ، ومثل هذا السلوك في الكلب محمود فيه لأن طبيعته هكذا ، وإياك أن تقول: لماذا ربنا يضرب المثل بأشياء وما ذنبها هي؟
والحق - سبحانه - هو القائل عن اليهود:
{مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ...} [الجمعة: 5]
هل الحمار حين يحمل أسفاراً يستحق الذم لأنه لم يفقه ما في الأسفار؟ الجواب لا ؛ لأن مهمته ليس منها فقه وفهم ما في الأسفار ، بل مهته أن يحمل ما عليه فقط ، وكأن الحق يقول: لا تكونوا مثل الحمار الذي يكتفي من الخير بأن يحمله ، ولكن أريد منكم أن تحملوا المنهج وأن تنتفعوا بما يحويه من التشريع . إذن فهذه الأمثلة ليست ذماً للكلب ، ولا هي ذما للحمار . إنما ذم لمن يتشبه بهما ؛ لأنه نزل إلى مرتبة لم يرده الله لها ، وأراد الله المثل فيها بشيء لا تذم منه ، ولكنه مذموم من الإنسان .