وقول الحق: {فاقصص القصص} يوضح لنا أن الله لا يريد أن يعلمنا تاريخاً ، لكنه يعلمنا كيف نأخذ العبرة من التاريخ ، بدليل أنه يكرر القصة أكثر من مرة وكل مرة يأتي سبحانه بلقطة جديدة ، لتعدد ما في القصة الواحدة من العبر ، ولو أنه أراد أن يقص علينا التاريخ لقال لنا روايته مرة واحدة . ونجد في القرآن الكثير من قصص الحق مع الباطل ، ومن قصص المبطلين مع المحقين ، ومن قصص المعاندين مع الرسل ؛ لأن القصة أمر واقعي ، والتقنين للمناهج أمر لفظي ، فيريد سبحانه وتعالى أن يوضح لنا المنهج المناسب للواقع ؛ لأن واقع الحياة يعطي القصة القولية حرارة وسخونة فلا يظل المنهج مجرد كلام نظري معزول عن الواقع .
وهكذا بَيّن الحقّ سبحانه وتعالى في هذه الآية ، أنه سبحانه قد أنزل علم منهجه بواسطة الرسل إلى بعض خلقه ، فمنهم من يأخذ منهج الله بالاستيعاب أولاً ، وتوظيف ما علم ثانياً ، وبذلك يرتفع من منطق الأرض إلى منطق السماء . ومن يعطيه الله ذلك المنهج ، ما كان يصح له أن يترك ارتفاعه إلى السماء ، ليهبط إلى مستوى الأرض . وهذا ما يفعله البشر حين يقننون لأنفسهم ، ويضعون نظم الحياة على وفق هواهم ، وعلى وفق نظمهم ، ويتركون منهج الله الذي خلقهم وصنعهم ووضع لهم قانون صيانتهم .
وهذا كلام نظري له واقع في ابن"باعوراء"، هذا الذي آتاه الله العلم ، ولكنه أخلد في الأرض ولم يتبع ما علم ، فانسلخ من المنهج كما تنسلخ الشاة من جلدها وقال فيه الحق: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ ...} [الأعراف: 176]