قوله:(روي أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ وعد بَني إسْرَائيلَ بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون
بكتاب من الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون)فيه تنبيه عَلَى أن الموعود كتاب شأنه كذا وأن
الْمَفْعُول الثاني ثلاثين ليلة بتقدير مضاف وهو إعطاء كتاب وثلاثين في الْحَقيقَة ظرف له.
وقيل إن الْمُضَاف الْمَحْذُوف الإتمام أي إتمام ثلاثين ليلة، ولا يخفى أن تعلق الوعد بالإتمام
فيه خفاء، إلا أن يقال إن واعدنا بمعنى أمرنا وفاعل الإتمام موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ لكن قوله
تَعَالَى (وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ) يأبى عنه فالأحسن إذا جعل واعدنا بمعنى
أمرنا كون الْمُضَاف الْمَحْذُوف الصوم. قال الإمام في سورة البقرة: معناه واعدنا مُوسَى انقضاء
أربعين ليلة، ثم قال: والحاصل حذف الْمُضَاف وأقام الْمُضَاف إليه مقامه انتهى. وقد قال أولًا
هناك في توجيه المفاعلة إنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُ الْوَحْيَ وَهُوَ [وَعَدَ اللَّهَ الْمَجِيءَ لِلْمِيقَاتِ] إِلَى الطُّورِ
وهذا أقوى الْوُجُوه انتهى. وما فهم منه أن الْمُضَاف الْمَحْذُوف هُوَ الوحي والْكتَاب كما
أشرنا إليه أولًا والعلم عند الله الملك الوهاب(فلما هلك فرعون سأل ربه فأمره
الله بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خلوف فيه فتسوك، فقالت الملائكة كنا نشم منك
رائحة المسك فأفسدته بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرًا).
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: أنكر خُلوف فيه. أي ريح فمه الخُلوف بالضم تغير ريح الفم.
قوله: فلما هلك سأل ربه الخ. هذا جواب لما عسى يسأل ويقال: ما معنى تفصيل الأربعين
هَاهُنَا إلَى الثلاثين والعشر مع الاقتصار عَلَى الأربعين في سورة البقرة؟ فأجاب أولا بأن الثلاثين
للعبادة والعشر لإزالة الخُلوف. وثانيها بأن الثلاثين والعشر لإنزال التَّوْرَاة والتَّكَلُّم فيها دلت الآية
على أنه تَعَالَى كلم مُوسَى عليه السَّلام والنَّاس يختلفون في كلام الله فمنهم من قال كلامه عبارة
عن الحروف المؤلفة المنتظمة ومنهم من قال كلامه صفة حقيقية مغايرة للحروف والأصوات أما
القائلون بالْقَوْل الأول فالعقلاء اتفقوا عَلَى [أَنَّهُ يَجِبُ كَوْنُهُ حَادِثًا كَائِنًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. وَزَعَمَتِ الْحَنَابِلَةُ وَالْحَشْوِيَّةُ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ قَدِيمٌ وَهَذَا الْقَوْلُ أَخَسُّ مِنْ أَنْ يَلْتَفِتَ الْعَاقِلُ إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَنِّي قُلْتُ يَوْمًا إِنَّهُ تَعَالَى إِمَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ عَلَى الْجَمْعِ أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ وَالتَّوَالِي، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمَسْمُوعَةَ الْمَفْهُومَةَ إِنَّمَا تَكُونُ مَفْهُومَةً إِذَا كَانَتْ حُرُوفُهَا مُتَوَالِيَةً فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ حُرُوفُهَا تُوجَدُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَذَاكَ لَا يَكُونُ مُفِيدًا الْبَتَّةَ، وَالثَّانِي: يُوجِبُ كَوْنَهَا حَادِثَةً لِأَنَّ الْحُرُوفَ إِذَا كَانَتْ مُتَوَالِيَةً فَعِنْدَ مَجِيءِ الثَّانِي يَنْقَضِي الْأَوَّلُ، فَالْأَوَّلُ حَادِثٌ لِأَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ عَدَمُهُ امْتَنَعَ قِدَمُهُ وَالثَّانِي حَادِثٌ لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ وُجُودُهُ مُتَأَخِّرًا عَنْ وُجُودِ غَيْرِهِ فَهُوَ حَادِثٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى عِبَارَةً عَنْ مُجَرَّدِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ مُحْدَثٌ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ لِلنَّاسِ هاهنا مَذْهَبَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَحَلَّ تِلْكَ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ الْحَادِثَةِ هُوَ ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُ الْكَرَّامِيَّةُ. الثَّانِي: أَنَّ مَحَلَّهَا جِسْمٌ مُبَايِنٌ لِذَاتِ الله تعالى كالشجرة وغير وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ.
أَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى صِفَةٌ مُغَايِرَةٌ لِهَذِهِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ فَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَتِلْكَ الصِّفَةُ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ. وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فَقَالَتِ الْأَشْعَرِيَّةُ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَمِعَ تِلْكَ الصِّفَةَ الْحَقِيقِيَّةَ الْأَزَلِيَّةَ قَالُوا: وَكَمَا لَا يَتَعَذَّرُ رُؤْيَةُ ذَاتِهِ مَعَ أَنَّ ذَاتَهُ لَيْسَتْ جِسْمًا وَلَا عَرَضًا فَكَذَلِكَ لَا يَبْعُدُ سَمَاعُ كَلَامِهِ مَعَ أَنَّ كَلَامَهُ لَا يَكُونُ حَرْفًا وَلَا صَوْتًا. وَقَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ: الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَصْوَاتٌ مُقَطَّعَةٌ وَحُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ قَائِمَةٌ بِالشَّجَرَةِ فَأَمَّا الصِّفَةُ