وقيل: مِنْ عادةِ النَّادمِ أن يُطَأطِئَ رَأسَهُ، ويضع ذقنه على يده معتمداً عليها، ويصيرُ على هيئةٍ لو نُزِعت يده لسقط على وجهه، فكأنَّ اليدَ مَسْقُوطٌ فيها.
ومعنى"في""على"، فمعنى"في أيديهم"كقوله: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل} [طه: 71] .
وقيل: هو مَأخُوذٌ من السَّقاط، وهو كثرةُ الخَطَأ، والخَاطِئُ يَنْدَمُ على فعلهِ.
قال ابنُ أبي كاهل: [الرمل]
2577 - كَيْفَ يَرْجُونَ سِقَاطِي بَعْدَمَا ...
لَفَّعَ الرَّأسَ بياضٌ وصَلَعْ
وقيل: هو مأخوذٌ من السَّقيط، وهو ما يُغَشِّي الأرض من الجَليدِ يُشْبِه الثَّلْج.
يقال منه: سَقَطَت الأرْضُ كما يُقَال: ثلجت، والسَّقْطُ والسَّقِيطُ يذُوبُ بأدْنَى حرارةٍ ولا يبقى.
ومنْ وقع في يده السَّقِيط لمْ يَحْصُل من بغيته على طائلٍ.
واعْلَمْ أنَّ"سُقِطَ في يده"عدَّهُ بعضُهم في الأفعال الَّتِي لا تتصرَّف كـ"نِعْمَ وبِئْسَ".
وقرأ ابْنُ السَّمَيْفَع سقط في أيديهم مبنياً للفاعل وفاعلُه مَضْمَرٌ، أي: سَقَطَ النَّدمُ هذا قولُ الزَّجَّاجِ.
وقال الزمخشريُّ:"سَقَطَ العَضُّ".
وقال ابنُ عطيّة:"سَقَطَ الخسران، والخيبة".
وكل هذه أمثلةٌ.
وقرأ ابنُ أي عبلة: أسْقِط رباعياً مبنياً للمعفول، وقد تقدَّم أنَّها لغةٌ نقلها الفرَّاءُ والزَّجَّاجُ.
قوله: {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا}
لما ظهر لَهُمْ أنَّ الذي عَمِلُوهُ كان بَاطِلاً، أظْهَرُوا الانقطاع إلى اللَّهِ تعالى وقالوا: {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} .
قرأ الأخوان"تَرْحَمْنَا"و"تَغْفِر"بالخطاب،"رَبَّنَا"بالنَّصْب، وهي قرايةُ الشعبي وابن وثَّاب وابن مصرف والجَحْدريّ والأعمش، وأيُّوب، وباقي السبعة بياءِ الغيبةِ فيهما،"رَبُّنَا"رفعاً، وهي قراءةُ الحسنِ، ومُجاهدٍ، والأعرج وشيْبَةَ وأبي جَعْفَرٍ.
فالنَّصبُ على أنَّهُ مُنَادى، وناسَبهُ الخطاب، والرَّفْعُ على أنَّه فاعلٌ، فَيَجُوزُ أن يكون هذا الكلام صَدَرَ من جمسعهم على التَّعَاقُبِ، أو هذا من طائفةٍ، وهذا من طائفةٍ، فمن غلب عليه الخوفُ، وقوي على المُواجهةِ؛ خاطب مستقيلاً من ذنبه، ومن غلب عليه الحياء أخرج كلامهُ مُخْرج المُسْتَحِي من الخطاب؛ فأسند الفِعْلَ إلى الغَائِبِ.
قال المُفَسِّرُونَ: وكان هذا النَّدمُ والاستغفارُ منهم بَعْدَ رُجوعِ مُوسى إليهم. انتهى انتهى. {تفسير ابن عادل حـ 9 صـ 318 - 321} . باختصار.