3 - {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ} ؛ أي: الضلال {يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} ؛ أي: يختارونه مسلكا لأنفسهم؛ أي: إنّهم إذا رأوا سبيل الغي والضلال ... هرعوا إليها، وخبوا فيها، وأوضعوا بما تزينه لهم أنفسهم من سلوكها، والسير فيها إلى آخر الحلبة، وهذه حال لهم شر من سابقتيها، وهؤلاء الذين اجتمعت لهم هذه الصفات هم الذين طبع الله على قلوبهم، وختم على سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فسبيل الحق بغيضة إليهم، وطريقه مكروهة لديهم.
قال الشوكاني: وجملة قوله: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} معطوفة على ما قبلها، داخلة في حكمها، وكذلك جملة قوله: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} المعنى: أنّهم إذا وجدوا سبيلا من سبل الرشد .. تركوه وتجنبوه، وإن رأوا سبيلا من سبل الغي .. سلكوه واختاروه لأنفسهم.
وقرأ حمزة والكسائي: {الرَّشَد} بفتح الراء والشين، والباقون بضم الراء وسكون الشين. وروي عن ابن عامر بضمتين، وقال أبو عمرو بن العلاء
{الرُّشْدِ} - بضم وسكون - الصلاح في النظر، وبفتحتين الاستقامة في الدين، وقرأ أبو عبد الرحمن {الرشاد} وهي مصادر كالسقم والسقم والسقام، وقرأ ابن أبي عبلة: {لا يتخذوها ويتخذوها} على تأنيث السبيل، والسبيل تذكر وتؤنث قال تعالى: {قُلْ هذِهِ سَبِيلِي} ولما نفى عنهم الإيمان وهو من أفعال القلب، استعار للرشد والغي سبيلين، فذكر أنّهم تاركوا سبيل الرشد، سالكوا سبيل الغي.
ثم علل ما سلف من صرفهم عن النظر في الآيات، وعدم اعتبارهم بها فقال: {ذلِكَ} ؛ أي: تكبرهم وعدم إيمانهم بشيء من الآيات، وإعراضهم عن سبيل الرشد، وإقبالهم التام إلى سبيل الغي، حاصل {بـ} سبب {أنهم كذبوا بآياتنا} الدالة على صدق رسلنا، وباهر قدرتنا {وَ} بسبب أنّهم {كانُوا عَنْها غافِلِينَ} ؛ أي: كانوا معرضين عن النظر والتفكر فيها؛ أي: ذلك حاصل بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها.
أي: إننا عاقبناهم على تكذيبهم بالآيات والغفلة عن النظر إلى الأدلة الموصلة إلى الحق، فيما أمرنا به ونهينا عنه بالختم على قلوبهم والغشاوة على أعينهم، حتى لا يجد الحق منفذا في الوصول إليها.