والخلاصة: أنّ الله سبحانه وتعالى لم يخلق هؤلاء مطبوعين على الغي والضلال طبعا، ولم يجبرهم إجبارا ويكرههم عليه إكراها، بل كان ذلك بكسبهم واختيارهم، إذ هم آثروا التكذيب بالآيات، والصد عن السبيل الموصلة إلى الرشاد، وغفلوا عن النظر في أدلتها لشغلهم بأهوائهم، واتباع شهواتهم، وبذا لجوا في الطغيان، وتمادوا في العصيان، واحتقروا ما سوى ذلك، مما يهدي عقولهم إلى صواب الحق وسلوك طريقه، وأمثال هؤلاء هم الذين عناهم الله تعالى بقوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179) } .
ولا شك أنّ كثيرا من المسلمين الذين تعلموا التعاليم الغربية، ورأوا زخرف المدنية الأوروبية، وغرهم بهرجها وخبلتهم زينتها، تنطبق عليهم هذه الصفات، فهم يحتقرون هداية الدين الروحية وأوامره ونواهيه، وسائر تعاليمه، وماله من تأثير عظيم في النفوس وتوجيه لها إلى الخير، وصد لها عن الشر، والبعد عن الفواحش والمنكرات.
ذاك أنّهم رأوا أنفسهم بعيدين عن الفنون والصناعات وزخرف الحياة الذي وصل فيه الغربيون إلى الغاية القصوى، وهم عبيد شهواتهم، منصرفون عن هداية الأديان إلى أبعد غاية، فحدثتهم أنفسهم أن ينهجوا نهجهم، ويسيروا على سنتهم، علهم يصلون في ذلك إلى بعض ما وصلوا إليه، ولو ساغ لبني إسرائيل أن لا يتبعوا موسى عليه السلام؛ لأنّه لم يكن عنده من زينة الدنيا ومن الفنون والصناعات، ومن رائع المدنية مثل ما كان عند فرعون وقومه، لساغ لهم أن ينحدروا في تلك الهوة ويقعوا في تلك الحفرة، ولله في خلقه شؤون، وهو يصرف الأمور بيده، وله الأمر من قبل ومن بعد