وقال بعض العارفين:
فجد بالرّوح والدّنيا خليلي ... كذا الأوطان تدرك من سناه
ذكره الصاوي.
وهذا الأمر على إضمار القول كما قدرنا؛ أي: وكتبنا له في الألواح ما ذكر، وقلنا له: هذه وصايانا وأصول شريعتنا وكلياتها، فخذها بقوة وجد وعزم ذاك أنّك ستكون بها شعبا جديدا بعادات جديدة، وأخلاق جديدة، مخالفة في جوهرها وصفاتها لما كان عليه هذا الشعب من الذل والعبودية لدى فرعون وقومه، وما كانوا عليه من الشرك والوثينة التي ألفوها من فرعون وقومه، وراضت أنفسهم لقبولها، فأنى للقائد والمرشد أن يصلح ذلك الفساد، ويرأب ذلك الصدع، إذا لم يكن ذا عزيمة وقوة وبأس شديد وحزم في أوامره ونواهيه {وَأْمُرْ قَوْمَكَ} بني إسرائيل أن {يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها} ؛ أي: بأحسن ما في تلك الألواح التي هي التوراة؛ لأنّ فيها حسنا وأحسن، كالقود والعفو، والانتصار والصبر، والمأمور به والمباح، فأمروا بما هو الأكثر ثوابا، فعلى هذا المعنى: فأفعل التفضيل على بابه وهو مثل قوله تعالى: {اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} ؛ أي: أكثره أجرا، وقيل: أفعل التفضيل ليس على بابه، فمعنى: {بِأَحْسَنِها} : بحسنها إذ كل ما فيها حسن، أو يقال: أمروا فيها بالخير، ونهوا عن الشر، وفعل الخير أحسن من ترك الشر.