عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} قَالَ: وَضَعَ الْإِبْهَامَ قَرِيبًا مِنْ طَرَفِ خِنْصَرِهِ، قَالَ: «فَسَاخَ الْجَبَلُ» فَقَالَ حُمَيْدٌ لِثَابِتٍ: تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: فَرَفَعَ ثَابِتٌ يَدَهُ فَضَرَبَ صَدْرَ حُمَيْدٍ، وَقَالَ: يَقُولُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُهُ أَنَسٌ وَأَنَا أَكْتُمُهُ"
عَنِ الرَّبِيعِ،" {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} وَذَلِكَ أَنَّ الْجَبَلَ حِينَ كُشِفَ الْغِطَاءُ وَرَأَى النُّورَ صَارَ مِثْلَ دَكٍّ مِنَ الدَّكَّاتِ"
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {دَكًّا} فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: {دَكًّا} مَقْصُورًا بِالتَّنْوِينِ، بِمَعْنَى: دَكَّ اللَّهُ الْجَبَلَ دَكًّا أَيْ: فَتَّتَهُ، وَاعْتِبَارًا بِقَوْلِ اللَّهِ: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا} ، وَقَوْلُهُ: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} وَاسْتَشْهَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ حُمَيْدٍ:
[البحر الرجز]
يَدُكُّ أَرْكَانَ الْجِبَالِ هَزَمُهْ ... تَخْطِرُ بِالْبِيضِ الرِّقَاقِ بُهَمُهْ
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (جَعَلَهُ دَكَّاءَ) بِالْمَدِّ وَتَرْكِ الْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ، مِثْلُ حَمْرَاءَ وَسَوْدَاءَ. وَكَانَ مِمَّنْ يَقْرَؤُهُ كَذَلِكَ عِكْرِمَةُ، وَيَقُولُ فِيهِ:"دَكَّاءُ مِنَ الدَّكَّاوَاتِ."
وَقَالَ: لَمَّا نَظَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى الْجَبَلِ صَارَ صَخْرَةً تُرَابًا""
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ. فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: الْعَرَبُ تَقُولُ: نَاقَةٌ دَكَّاءُ: لَيْسَ لَهَا سَنَامٌ، وَقَالَ: الْجَبَلُ مُذَكَّرٌ، فَلَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ: جَعَلَهُ مِثْلَ دَكَّاءَ، حَذَفَ مِثْلَ، وَأَجْرَاهُ مَجْرَى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: مَعْنَى ذَلِكَ: جَعَلَ الْجَبَلَ أَرْضًا دَكَّاءَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْأَرْضُ وَأُقِيمَتِ الدَّكَّاءُ مُقَامَهَا إِذْ أَدَّتْ عَنْهَا.