الْمَائِدَةِ (ص 274 - 279 ج6 تَفْسِيرِ ط الْهَيْئَةِ) .
(ثَالِثُهَا) أَنَّ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ قَدْ عَظُمَ مُلْكُهُمْ بِإِقَامَةِ شَرِيعَتِهِمْ بِقُوَّةٍ ، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْغُرُورُ عَلَى الْعَمَلِ ، وَظَنُّوا أَنَّ اللهَ يَنْصُرُهُمْ وَيُؤَيِّدُهُمْ لِنَسَبِهِمْ وَلَقَبِهِمْ وَهُوَ"شَعْبُ اللهِ"فَسَقُوا وَظَلَمُوا ، فَأَنْزَلَ اللهُ بِهِمُ الْبَلَاءَ ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الْبَابِلِيِّينَ الْأَقْوِيَاءَ ، فَثَلُّوا عَرْشَهُمْ وَتَبَّرُوا مُلْكَهُمْ ، ثُمَّ ثَابُوا إِلِى رُشْدِهِمْ ، فَرَحِمَهُمُ اللهُ ، وَأَعَادَ لَهُمْ بَعْضَ مُلْكِهِمْ وَعِزِّهِمْ ، ثُمَّ ظَلَمُوا وَأَفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ النَّصَارَى فَمَزَّقُوهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ، فَظَلُّوا عِدَّةَ قُرُونٍ مُتَّكِلِينَ عَلَى الْمَسِيحِ الْمَوْعُودِ لِيُعِيدَ لَهُمْ مُلْكَهُمْ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ ، ثُمَّ رَبَّتْهُمُ الشَّدَائِدُ ، وَنَوَّرَهُمُ الْعِلْمُ الْعَصْرِيُّ فَطَفِقُوا يَسْتَعِدُّونَ لِاسْتِعَادَةِ هَذَا الْمُلْكِ بِكُلِّ مَا فِي الْإِمْكَانِ مِنَ الْأَسْبَابِ ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الْمَالُ وَالنِّظَامُ وَالْكَيْدُ وَالدَّهَاءُ مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى التَّقَالِيدِ الدِّينِيَّةِ فِي ذَلِكَ ، حَتَّى انْتَهَى بِهِمُ السَّعْيُ إِلَى اسْتِخْدَامِ الدَّوْلَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ بِمَا فَصَّلْنَاهُ فِي بَيَانِ الْعِبْرَةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَأَوْرَثَنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا (7: 137) .