وَلَا كَسْبَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُبَلِّغِينَ لَهَا فِي تَأْلِيفِ عِبَارَتِهَا لَا جِبْرِيلَ وَلَا مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - ، وَلَا الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَلَّغُوهَا لِلتَّابِعِينَ قَوْلًا وَكِتَابَةً ، وَلَا يَقْتَضِي هَذَا تَأْوِيلَ الْكَلَامِ الْإِلَهِيِّ وَلَا تَعْطِيلَهُ وَلَا حُدُوثَهُ ، وَلَا تَشْبِيهَهُ بِكَلَامِ خَلْقِهِ ، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى لَا يُشْبِهُ عِلْمَ خَلْقِهِ ، وَلَا يَقْتَضِي أَيْضًا أَنْ نَكُونَ قَدْ أَدْرَكْنَا كُنْهَ هَذِهِ الصِّفَةِ بِفَهْمِنَا لِمَا بَلَّغَنَا تَعَالَى إِيَّاهُ مِنْ عِلْمِهِ بِهِ ، كَمَا أَنَّ إِطْلَاعَهُ إِيَّانَا عَلَى مَا عَلِمَهُ فِي الْأَزَلِ وَفِيمَا لَا يَزَالُ مِنْ كَوْنِهِ أَحَدًا صَمَدًا لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أَحَدٌ - لَا يَقْتَضِي إِدْرَاكَ كُنْهِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ ، بَلْ نَحْنُ لَمْ نُدْرِكْ كُنْهَ كَلَامِنَا فِي أَنْفُسِنَا ، وَلَا فِي الْهَوَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ آنِفًا .
وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ تَجَلِّي الرَّبِّ - تَعَالَى - فِي الصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَتَعَرُّفِهِ لِمَنْ شَاءَ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ لَا يَقْتَضِي حُدُوثَهُ وَلَا مُشَابَهَتَهُ لِلصُّوَرِ وَلَا لِحِجَابِ النُّورِ ، وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا إِدْرَاكِ كُنْهِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، وَمَعْرِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ كَمَعْرِفَةِ بَعْضِهِمْ لِكَلَامِهِ بِتَبْلِيغِ اللِّسَانِ دُونَ الْكِتَابَةِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ دُونَ اللِّسَانِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَمَالٌ لَهُ ، وَإِنَّمَا النَّقْصُ مَا تَخَيَّلَهُ نُفَاةُ الرُّؤْيَةِ وَالصِّفَاتِ مِنْ جَعْلِ الْخَالِقِ تَعَالَى مَعْنًى سِلْبِيًّا .