إِنَّ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي جَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ صِفَةٌ ، عَنْهَا يَصْدُرُ الْخَلْقُ وَالِاخْتِرَاعُ ، وَتِلْكَ الصِّفَةُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تَلْمَحَهَا عَيْنُ وَاضِعِ اللُّغَةِ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهَا بِعِبَارَةٍ تَدُلُّ عَلَى كُنْهِ جَلَالِهَا وَخُصُوصِ حَقِيقَتِهَا ، فَلَمْ تَكُنْ لَهَا فِي الْعَالَمِ عِبَارَةٌ لِعُلُوِّ شَأْنِهَا ، وَانْحِطَاطِ رُتْبَةِ وَاضِعِي اللُّغَاتِ عَنْ أَنْ يَمْتَدَّ طَرْفُ فَهْمِهِمْ إِلَى مَبَادِئِ إِشْرَاقِهَا ،
فَانْخَفَضَتْ عَنْ ذُرْوَتِهَا أَبْصَارُهُمْ كَمَا تَنْخَفِضُ أَبْصَارُ الْخَفَافِيشِ عَنْ نُورِ الشَّمْسِ ، لَا لِغُمُوضٍ فِي نُورِ الشَّمْسِ ، وَلَكِنْ لِضَعْفٍ فِي أَبْصَارِ الْخَفَافِيشِ ، فَاضْطَرَّ الَّذِينَ فُتِحَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمُلَاحَظَةِ جَلَالِهَا إِلَى أَنْ يَسْتَعِيرُوا مِنْ عَالَمِ الْمُتَنَاطِقِينَ بِاللُّغَاتِ عِبَارَةً تَفْهَمُ مِنْ مَبَادِئِ حَقَائِقِهَا شَيْئًا ضَعِيفًا جِدًّا ، فَاسْتَعَارُوا لَهَا اسْمَ الْقُدْرَةِ ، فَتَجَاسَرْنَا بِسَبَبِ اسْتِعَارَتِهِمْ عَلَى النُّطْقِ ، فَقُلْنَا: لِلَّهِ تَعَالَى صِفَةٌ هِيَ الْقُدْرَةُ ، عَنْهَا يَصْدُرُ الْخَلْقُ وَالِاخْتِرَاعُ"ثُمَّ ذَكَرَ الْمَشِيئَةَ وَالْمَحَبَّةَ وَالْكَرَاهَةَ وَالرِّضَا وَالْغَضَبَ ، فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا يُسَمُّونَهُ صِفَاتِ الْمَعَانِي وَمَا يُسَمُّونَهُ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَتَأَوَّلُهَا أَصْحَابُهُ الْأَشْعَرِيَّةُ تَحَكُّمًا مِنْهُمْ ."