إن امتناعك عن أمر من المعبود وقد وجهه لك وأنت العابد هو لون من الكبرياء على الآمر ، والملائكة جماعة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، فما دامت أنت أهل استكبار واستعلاء على هذه المكانة فلست أهلاً لها ، فكأن العمل هو الذي أهله أن يكون في العلو ، فلما زايله وفارقه كان أهلاً لأن يكون في الدنو ، وهكذا لم يكن الأمر متعلقاً بالذاتية ، وفي هذا هبوط لقيمة كلامه في أنه من نار وآدم من طين ؛ لأن المقياس الذي توزن به الأمور هو مقياس أداء العمل ، ومن حكمة الحق أن الجن يأخذ صورة القدرة على أشياء لا يقدر عليها الإنس ، مثل السرعة ، واختراق الحواجز ، والتغلب على بعض الأسباب ، فقد ينفذ الجن من الجدار أو من الجسم ، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ."
وهو ذلك مثل الميكروب ، لأنه هذه طبيعة النار ، وهي المادة التي خُلق منها . وهي تتعدى الحواجز . والجن قد بلغ من اللطف والشفافية أنه يقدر على أن ينفذ من أي شيء ، لكن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يوضح للجن لا تعتقد أن عنصريتك هي التي أعطتك هذا التمييز ، وإنما هي إرادة المُعَنْصر ، بدليل أنه جعلك أدنى من مكانة الإنسان ، إنه - سبحانه - يجعل إنسياً مثل سيدنا سليمان مخدوما لك أيها الجنى ، إنه يسخرك ويجعلك تخدمه . وأنه في مجلس سليمان ، جعل الذي عنده علم من الكتاب ، يأتي بقوة أعلى من قوة"عفريت"من الجن .
فالحق هو القائل: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن ...} [النمل: 39]
وهذا يدل على أن هناك أذكياء وأغبياء في عالم الجن أيضاً . وجاء الذي عنده علم من الكتاب فتسامى فوق عفريت الجن في الزمن ، فقد قال هذا العفريت: {أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ...} [النمل: 39]