ولقد كانت هذه الآيات موضوع بحث وجدل في بعض كتب التفسير بين أصحاب المذاهب الكلامية المختلفة منهم، الذين يقول فريق منهم إن الإنسان
خالق أفعاله وإن الله يقدرها عليه من الأزل تقديرا لا حيلة له فيه. والذين يقولون إنه خالق كل شيء ومقدره ومن ذلك أفعال العباد.
والآيات في أصلها حكاية لقول المشركين وردّ عليهم وتكذيب لهم. ومع ذلك فنحن نرى فيها على ضوء الشرح الذي شرحناه بها والذي نرجو أن يكون الصواب ردا مستمر التلقين على كل من يريد أن يقرر أن القرآن يؤيد فكرة التحتيم الجبري الأزلي على الناس في تصرفاتهم وأفعالهم. وعلى كل من يحاول التنصل من مَسْئُولية ما يقترفه من آثام بحجة أن هذا مكتوب عليه وأن الله لو لم يشأ فإنه لا يكون. وفي الآية الأولى نصا وروحا قرينة على أننا على صواب إن شاء الله حيث حكت حجة المشركين التي عمدوا إليها بأسلوب تنديدي وتسفيهي وأنكرتها إنكارا شديدا وأرجعتها إلى الروح الخبيثة التي يصدر عنها المشركون المكابرون المكذبون في كل ظرف ومكان وهي روح التعطيل والمراوغة والجدل والمكابرة.
وفي الآية نكتة لاذعة، فالمشركون حاولوا أن يقيموا الحجة على النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم لو شاء الله ما أشركنا والقرآن يردّ عليهم ويقول إن الحجة البالغة لله تعالى فهو لو شاء لهداهم ولكنه تركهم لاختيارهم لتكون حجته هي الدامغة وتدحض بذلك حجتهم. فالله لا يمكن أن يشاء لهم الشرك وإنما يدعوهم إلى الإيمان فإذا كانوا اختاروا الشرك وتقاليده فذلك من حثهم وعدم ارعوائهم لدعوة الحق.