"أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من بقية طينة آدم"ثم ذكر العنب عقيب النخل لأنه أشرف أنواع الفواكه وأنه ينتفع به من أوّل ظهوره إلى آخر حاله . فأوّله خيوط دقيقة حامضة الطعم لذيذة وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه ، ثم يظهر الحصرم وهو طعام شريف للأصحاء وللمرضى من أصحاب الصفراء ، ثم يتم العنب فيؤكل كما هو ويدخر ويتخذ منه الزبيب والدبس والخمر والخل ومنافع كل منها لا تحصى ، إلا أن الخمر حرمها الشرع لإسكارها . وأخس ما في العنب عجمه والأطباء يتخذون منه جوارشنات نافعة للمعدة الضعيفة الرطبة . ويتلو العنب في المنفعة الزيتون لأنه يمكن تناوله كما هو ، وينفصل منه الزيت الذي يعظم غناؤه ، وأما الرمان فحاله عجيبة جداً لأنه قشر وشحم وعجم وماء . والثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة ، وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات وأنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة ، وفيه تقوية للمزاج الضعيف وهو غذاء من وجه ودواء من وجه ، وكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين فيكون دلالة القدرة والرحمة والحكمة فيه أكمل وأنواع النبات أكثر من أن يفي بشرحها المجلدات فاكتفى بذكر هذه الأنواع الخمسة تنبيهاً على البواقي . وأما قوله {مشتبهاً وغير متشابه} ففي تفسيره وجوه الأوّل أن هذه الفواكه تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذّة ، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس . الثاني أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية ، وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنها تكون مختلفة ، ومنهم من يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة . ومنهم من قال: بعض حبات العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه وذلك أنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات