ثمّ بذكر نبيئين أب وابنه وهما زكرياء ويحيى.
فناسبَ أن يذكر بعدهما رسولان لا ذرّيّة لهما، وهما عيسى وإلياس، وهما متماثلان في أنّهما رفعا إلى السّماء.
فأمّا عيسى فرفْعه مذكور في القرآن، وأمّا إلياس فرفعه مذكور في كتب الإسرائليين ولم يذكره المفسّرون من السلف.
وقد قيل: إنّ إلياس هو إدريس وعليه فرفعه مذكور في قوله تعالى: {واذكر في الكتاب إدريس إنّه كان صديقاً نبيئاً ورفعناه مكاناً علياً} في سورة مريم (56، 57) .
وابتدئ بعيسى عطفاً على يحيى لأنّهما قريبان ابنا خالة، ولأنّ عيسى رسول وإلياس نبيء غير رسول.
وهؤلاء الأربعة تضمّنتهم الفاصلة الثّانية المنتهية بقوله تعالى: كلّ من الصّالحين.
وعُطف اليسع لأنّه خليفة إلياس وتلميذه، وأدمج بينه وبين إلياس إسماعيل تنهية بذكر النّبيء الّذي إليه ينتهي نسب العرب من ذرّيّة إبراهيم.
وخُتوا بيونس ولوط لأنّ كلاً منهما أرسل إلى أمّة صغيرة.
وهؤلاء الأربعة تضمّنتهم الفاصلة الثّالثة المنتهية بقوله: {وكلاً فضّلنا على العالمين} .
وقوله: {ومن آبائهم} عطف على قوله: {كُلاً} .
فالتَّقدير: وهدينا من آبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم.
وجعل صاحب"الكشاف" (مِن) اسما بمعنى بعض، أي وهدينا بعض آبائهم على طريقته في قوله تعالى: {من الَّذين هادوا يحرّفون} [النساء: 46] .
وقدّر ابنُ عطيّة ومن تبعه المعطوف محذوفاً تقديره: ومن آبائهم جمعاً كثيراً أو مهديين كثيرين، فتكون (مِن) تبعيضية متعلّقة بـ {هدينا} .
والذرّيَّات جمع ذرّيَّة، وهي مَن تناسل من الآدمي من أبناء أدْنَيْن وأبنائهم فيشمل أولاد البنين وأولاد البنات.
ووجه جمعه إرادة أنّ الهدى تعلّق بذرّيّة كلّ من له ذرّيّة من المذكورين للتنبيه على أنّ في هدي بعض الذرّية كرامة للجدّ، فكلّ واحد من هؤلاء مراد وقوعُ الهدي في ذرّيَّته.
وإنْ كانت ذرّياتهم راجعين إلى جدّ واحد وهو نوح عليه السّلام.
ثمّ إن كان المراد بالهدى المقدّر الهُدَى المماثل للهُدى المصرّح به، وهو هُدى النّبوءة، فالآباء يشمل مثل آدم وإدريس عليهم السلام فإنّهم آباء نوح. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 6 صـ}