وروى ابن وهب عن القاسم أيضا قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختلفون، لأنه لو كان قولا واحدا لكان الناس في ضيق وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة -
ومعنى هذا أنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه، لأنهم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق، لأن مجال الاجتهاد ومجالات الظنون لا تتفق عادة ـ كما تقدم ـ فيصير أهل الاجتهاد مع تكليفهم باتباع ما غلب على ظنونهم مكلفين باتباع خلافه، وهو نوع من تكليف ما لا يطاق، وذلك من أعظم الضيق، فوسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم، فكان فتح باب للأمة، للدخول في هذه الرحمة، فكيف لا يدخلون في قسم"من رحم ربك؟!"فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها، والحمد لله"-"
* الاختلاف ثروة:
وعنصر آخر نضيفه هنا ـ إلى كون الاختلاف ضرورة من ناحية، ورحمة من ناحية أخرى ـ هو أن الاختلاف أيضا ثروة -
فإن اختلاف الآراء الاجتهادية يثري به الفقه، وينمو ويتسع، نظرا لأن كل رأي يستند إلى أدلة واعتبارات شرعية أفرزتها عقول كبيرة، تجتهد وتستنبط، وتقيس وتستحسن، وتوزن وترجح، وتؤصل، وتقعد القواعد، وتفرع عليها الفروع والمسائل -
وبهذا التعدد المختلف المشارب، المتنوع المسالك، تتسع الثروة الفقهية التشريعية، وتختلف ألوانها، من مدرسة الحديث والأثر، إلى مدرسة الرأي والنظر إلى مدرسة الوقوف عند الظواهر، إلى مدرسة الاعتدال أو الوسط، التي تأخذ من كل مدرسة أحسن ما لديها، متجنبة نقاط الضعف في كل مدرسة حسبما يهدي إليه اجتهادها، غير متحيزة لهذه أو تلك، ولا لهذا الإمام أو ذاك، ولا لهذا القول أو ضده -
وفي النهاية يصبح من وراء هذه المدارس والمشارب والمذاهب والأقوال، كنوز لا يقدر قدرها، وثروة لا يعرف قيمتها إلا أهل العلم والبحث -
وهو ما نوهت به المجامع والمؤتمرات العالمية في عصرنا، مثل مؤتمر (لاهاي) للقانون المقارن سنة 1936 م - ومؤتمر باريس سنة 1951 م -