وقد ذكر في كلامه تعالى من خواص العلم اليقيني بآياته تعالى إنكشاف ما وراء ستر الحس من حقائق الكون على ما يشاء الله تعالى كما في قوله: (كلا لو تعلمون علم اليقين ، لترون الجحيم) (التكاثر: 6) وقوله: (كلا إن كتاب الأبرار لفى عليين ، وما أدراك ما عليون ، كتاب مرقوم ، يشهده المقربون) (المطففين: 21) .
قوله تعالى: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى) إلى آخر الآية قال الراغب في المفردات: أصل الجن (بفتح الجيم) ستر الشيء عن الحاسة يقال: جنه الليل
وأجنه وجن عليه: فجنه ستره ، وأجنه جعل له ما يجنه كقولك: قبرته وأقبرته وسقيته وأسقيته ، وجن عليه كذا ستر عليه قال عزوجل: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ، انتهى فجن الليل إسداله الظلام لا مجرد ما يحصل بغروب الشمس .
وقوله: (فلما جن عليه الليل) تفريع على ما تقدم من نفيه ألوهية الأصنام بما يرتبطان بقوله: (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض) ومحصل المعنى على ذلك أنا كنا نريه الملكوت مالأشياء فأبطل ألوهية الأصنام إذ ذاك ، ودامت عليه الحال فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال كذا وكذا .
وقوله: (رأى كوكبا) كأن تنكير الكوكب إنما هو لنكتة راجعة إلى مرحلة الاخبار والتحدث فلا غرض في الكلام يتعلق بتعيين هذا الكوكب وأنه أي كوكب كان من السيارات أو الثوابت لأن الذي أخذه في الحجاج يجرى في أي كوكب من الكواكب يطلع ويغرب لا أن إبراهيم عليه السلام أشار إلى كوكب ما من الكواكب من غير ان يمتاز بأى مميز مفروض: أما أولا فلان اللفظ لا يساعده فلا يقال لمن أشار إلى كوكب بين كواكب لا تحصى كثره فقال: (هذا ربى: إنه رأى كوكبا قال هذا ربى ، وأما ثانيا فلان ظاهر الآيات أنه كان هناك قوم يعبدون الكوكب الذي أشار إليه وقال فيه ما قال ، والصابئون ما كانوا يعبدون أي كوكب ولا يحترمون إلا السيارات .